مقالات كل العرب

سؤال المثقف

أ. كمال اشواك

شارك

سؤال المثقف

أ. كمال اشواك

التردي المعرفي الذي طال منطقة المحيط العربي في الآونة الأخيرة أثر بشكل كبير على المشهد الثقافي العربي العام.حيث عمت الفوضى تجاه جملة من المفاهيم والمصطلحات.وتعرضت للتشويه و لكثير من التجاوزات المعرفية من ناحية ضبطها وتعريفها.ونتيجة لهذه الهشاشة المعرفية في المشهد الثقافي العام أصبح من العسير ضبط كثير من العبارات والمفاهيم في سياقها الصحيح وهو ما أستطيع أن اطلق عليه حالة السيوله الثقافية أو (الإستسهال المعرفي) .
سأتناول في هذا المقال التشوهات التي يتعرض لها مصطلح المثقف بإعتباره من أكثر الحالات التي تشغل حيزاً كبيراً في حواراتنا الثقافية.مفردة المثقف أصبحت تحمل في طياتها كثير من الدلالات.عليه فإن مجموعة من الألقاب دخلت ضمن سياق تعريف المثقف.على سبيل المثال: يمكن أن تطلق على كل شاعر.أديب.روائي.طبيب.أو مهندس… إلخ.كل هؤلاء هم ضمن قائمة المثقفين.بل يمكن أن يذهب الأمر أبعد من ذلك فكل فرد يقوم بكتابة (منشور) على صفحات التطبيقات الرقمية من تويتر وغيره.بات يُعرف على أنه مثقف.معتمدين على هذا المنطق فإن كل شخص يجيد القراءة والكتابة هو ضمن دائرة المثقفين.صحيح هذا القول يحمل في طياته كثير من الصحة.لكن يظل السؤال الجوهري الذي يطل برأسه.أين موقع هؤلاء المُثقفين من الثقافة عامة ومن جل القضايا المتعلقة بحقوق الناس؟ بطبيعة الحال هذا سؤال جوهري بل مفصلي للإجابة عنه يمكنني الإتفاق مع الفيلسوف الإيطالي (غرامشي) في جزئية محددة وهي متعلقة بتقسيم المثقفين إلى مجموعتين: (المثقف التقليدي) و (المثقف العضوي) الذي أحب تسميته (المثقف الثائر) وهنا يمكننا التفريق بين هذين النوعين من ناحية الدور والتحركات والمواقف التي يتخذها كل نوع منهما ضمن بيئته..
النموذج الأول (المثقف الثائر) هو نموذج لمجموعات بينها تفاوت معرفي يمكن ان يكون بينهم الطبيب والمعلم.ومن لم يكملوا تعليمهم.لكنهم أشخاص متطورون معرفياً وطوروا من مواقفهم تجاه قضايا الناس.لذلك هم متفقون معهم في الموقف والفكرة القائمة على التواجد في قلب أوجاع الناس.هذه المجموعه هي مصدر إزعاج للسلطة بمختلف أنواعها سواء كانت سلطة أهلية أو سياسية.وذلك كونها طبقة مثقفة تملك قرارها وتصوراتها المبدئية و لهذا يكون تواجد هذه المجموعة ضمن منظمات ثورية تحمل معالجات جذرية تجاه القضايا السياسية والثقافية.وهي دوما منحازة لقضايا الطبقة العاملة تدافع عن حقوقها التي تكون ذات طابع ثوري هدفه النفوذ إلى تغييرات جذرية في بنية المنظومة السياسية والإقتصادية والإجتماعية السائدة..
النموذج الثاني (المثقف التقليدي) وهم ما تعارف عليهم بالمهنيين من المهندسين و السياسيين …إلخ _صحيح هم يشكلوا طبقة متعلمين.لكنهم يحملون توجهات تقليدية ثابتة ومحكومة حسب قول (غرامشي) بأنهم جزء من الطبقات الإجتماعية وفي الغالب هى الطبقة الرأسمالية و هي نظرة قائمة على حلول إقتصادية عملية ولكنها ذاتية جداً.على أية حال كل تغيير إجتماعي كان أو سياسي يحتاج إلى النموذج الأول المثقف الثائر أو المثقف العضوي إتفاقاً مع تصنيف (غرامشي) حيث وحده المثقف الثائر الذي في مقدوره التزود بفكرٍ ثوري يستطيع من خلاله تحقيق أهداف هذا التغيير الجذري المأمول.لذلك يرى (غرامشي) ضرورة تسليح الطبقة العاملة بذات المفاهيم الثورية حتي تتمكن من لعب أدوار المثقف العضوي في أي ثورة تحدث مستقبلا تكون الطبقة العاملة ركيزتها وعنوانها.وذلك تفادياً للتنظيرات الفاترة التي تصدر من المثقف التقليدي وبالتالي حدوث أخطاء كارثية في مسارات التغيير الصحيح بنتائج.و هنا أيضا من المهم أن أشير إلى نقطة مفاهيمية مهمة للغاية وهي إن المثقفين لا يمثلون طبقة منفصلة ولا متحدة ولا مستقلة بذاتها.بل يضمون أشخاص من توجهات ومواقع طبقية مُختلفة جداً.ولكنهم يتفقون في طبيعة الخطاب الثوري.عليه فإن إنتماء المثقف لأي طبقة إجتماعية لا يحدد هويته الثقافية من ناحية كونه كان مثقفا عضوياً أو تقليدياً.النقطة الفاصلة هو أن يكون ثورياً عبر تبنيه حزمة من الأفكار الثورية والجذرية وإيمانه بها وليس مجرد شخص أكمل تعليمه الجامعي أو شخص مطلع على أمهات الكتب.كل هذا لا يكفي لنقول إن هذا الشخص مثقف يفترض على الشخص،أن يشفع معرفته وثقافته بالمواقف العملية الجدية في تسخير هذه الثقافة في خدمة مصالح بقية المنهوبين من عامة الشعب.بغير ذلك يظل هو مجرد مثقف تقليدي تابع للسلطة أو مجرد صديق برغماتي للطبقة الإجتماعية المهيمنة.سواء بعلم منه أو نتيجة تواطئه المتعمد.

 

مهندس و ناشط سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى