مقالات الموقع الالكتروني

الحوار الكامل مع وزير الثقافة الجزائري الأسبق

الأديب والاعلامي عزالدين ميهوبي: شعري قاربٌ مرساتُه شواطئ الإنسان

شارك

الحوار الكامل مع وزير الثقافة الجزائري الأسبق

الأديب والاعلامي عزالدين ميهوبي:

 شعري قاربٌ مرساتُه شواطئ الإنسان

 

 

حوار: أ.فاتن محمد علي

 

 

صاحب حقول متعددة في الإبداع كونه إعلامياً وشاعرا وروائيا، وكاتب سينمائي ومسرحي. قدم  الشعر من خلال أكثر من خمسة عشر ديواناً، وفي الرواية أكثر من خمسة أعمال هذا بالإضافة إلى الأوبريتات والمسرحيات التي كتبها. يحيل انفتاحه على تلك الحقول واتساع افقه الى الطفولة القاسية -بحسب قوله- ومعاناة الحرمان قد فتحت شعره وفنه على استيعاب الألم الوجودي والحزن المتجذر في ذاته على روح إنسانية خلاقة. انه الاديب عزالدين ميهوبي، وزير الثقافة الجزائري السابق، والمرشح السابق لرئاسة الجزائر.

ـ الشعراء شهودٌ على المرحلة وهم جزء من ذاكرة شعوبهم.. مقولة لك؟

ـ طبعا.. خصوصا في منطقنا وثقافتنا العربيّة، أينَ شكّلت موسيقى الشعر كيمياء طبيعية لحفظ المتن ونقل المعرفة والعلم وكلّ تفاصيل الحياة من جيل لآخر، والشاعر لم يكن يخاطب محيطه الجغرافيّ والثقافي فقط، بل كان يخاطب كلّ البشريّة، فهو شاهدٌ على البشرية وشاهد لها. ولا أعتقدُ أنّنا سنختلفُ في كونِ الشّعر هو المظهر الأبرز للهُويّة العربيّة على امتداد قرابة ألفي سنة.. حتّى وإن برزت أجناسٌ أخرى مُرتبطة بالتفاعل مع الثقافات الأخرى، فإنّ الشّعر هو السّمة الأكثر رسُوخًا في الموروث الثقافي العربي، وأكثر من هذا تحوّلتِ القصيدةُ إلى مكوّنٍ رئيسيّ في بنية التّاريخ، ومثلما تقرأ تطوّر المجتمع العربي من خلال ابن خلدون أو الطبري فأنت تقرأهُ من خلال شعر المتنبي والشعراء الأندلسيين وأدونيس والماغوط.. فلو لم يكونوا جزءًا من ذاكرة شعوبهم، ما قرأنا طبقات الشّعراء لابن سلاّم الجُمحي ولا مُعجم البابطين للشعر العربي..

 

ـ في أشعارك إشارات عديدة إلى الأزمة العربية الشاملة التي نعانى منها فى المرحلة الراهنة وخاصة القضية الفلسطنية. هل يمكن أن تخبرنا عن خلاصة معاناتك، وتجربتك في ذلك؟ كيف ترى المسألة كلها؟ وهل من حل؟ ومن أمل؟

ـ الأمر لا يتعلّق بالمرحلة الرّاهنة، فهناك تراكمٌ هائلٌ من الإحباطات، منذ سقوط بغداد وغرناطة وغيرهما.. ففي الحقيقة نحنُ نعيش وضعًا غير طبيعي وغير صحّي، كلّمنا حاولنا تجاوز محنة أو معاناة سواء كأفراد أو مجتمعات حتّى نسقط في معاناة أخرى أكثر إيلامًا.. وفي أزمة أخرى أكثر تعقيدًا.. لكنّ المعاناة التّي استمرّت منذُ طفولتنا ورافقت جيلنا إلى كهولتنا وأتمنى أن تتوقف قبل أن يُدركنا سنّ اليأس والموت بالتقسيط، هي القضية الفلسطينية.. هذه القضيّة التّي تجاوزت كلّ قضايا التاريخ. ستظلّ قضيّة متجدّدة لا تكبر مع الزمن ولا تلين بتقادم التضحيات الكبيرة التّي قدّمها الشعب الفلسطيني وما يزال يقدّمها من أجل استعادة حقّه في الحياة الحرّة، وفي العيش الكريم، وفي العبادة غير المقيّدة. ومهما تعدّدت المآلات التّي تتجه إليها فلسطين فإنّ التاريخ لن ينسى ما قام به الاحتلال الاسرائيلي في حقّ الشعب الفلسطيني من تقتيل وتشريد وتهجير.. صحيح أنّ هناك حديثا في الآونة الأخيرة عن ابتكار حلولٍ أساسها الدّين بتوظيفٍ سياسيّ صريح، لكنني أتساءل بصدق.. أين كانت هذه الفلسفة الدينية المتسامحة طيلة عقُود من الظلم والاستبداد؟  فأنا الجزائري، مثل الكثير من أبناء جيلي، فتحنا أعيننا على دُرّتين جميلتين معلقتين في صدر الإنسانية، فلسطين وثورة الجزائر الكبرى، لكنّ فرحتنا بالاستقلال ظلت منقوصة، غير مكتملة، ما دامت فلسطين لا تزال تعاني. إنّ قراءتنا المجرّدة من أيّ حساب سياسويّ تُختزلُ في أنّ حريّة بلدي الجزائر تقوم على قدمين اثنتين.. حرية الجزائر وحريّة فلسطين.. ومن دون سيادة الشعب الفلسطيني وحريته الكاملة عى أرضه، وليس بابتكار كيانات هجينة، ستظل حريّة كل شرفاء العالم ناقصة.. بل إنّنا نقرأها من خلال الوليّ الصّالح والصّادق سيّدي أبي مدين شُعيب، دفينَ تلمسان، الذي شاركَ في الحروب الصليبيّة، وتركَ ذراعهُ مدفونةً في تراب القدس.. هذه الصّورة التي كبُرت معنا، لم تتغيّر بتغيّر الحسابات السياسيّة المبنيّة على التسويات التي لا تراعي حقّ الشعب الفلسطيني ولا تحترم تضحياته.. تلكَ قناعة ترسّخت لدى أجيالٍ متلاحقة في الجزائر، ولدى شعوب عربيّة وإسلاميّة وأخرى مؤيّدة للحق الفلسطيني. ولأنني، لا أعيش في كوكب، تغيب عنه مفردة فلسطين والقدس والأقصى.. فلا يمكنُني أن أكتُب عن قضايا الإنسان والحريّة دون أن تأخذ فلسطين مساحةً أوسع، في الشعر والرواية..

مثلما تأخذ قضايا عربية وإنسانية أخرى الاهتمام نفسه.. وإلا ما جدوى أن نكتب، إن لم نعش الإنسان في كل تجلياته.. وأذكر أنني قلتُ في أول حوار لي قبل 42 عاما “شعري قاربٌ مرساتُه شواطئ الإنسان”..

 

 ـ حدثنا عن استخدام الرمز، وتناول الانثروبولجيا فى قصيد طاسيليا؟

ـ لا يمكنُ أن يكون هناك شعر دون رمز، وأنا هنا أفرق بين القصيدة والشعر، فالقصيدة شكلٌ أدبيّ .. لكن الشعر ورمزيته هو جوهر العملية الإبداعية كلّها، بل هو سرّ تميّز وخلود كل الأشكال التعبيرية من مسرح ومُوسيقى ورواية وقصة وسينما وقصيدة.. ولعلّ أكبر جوّ إبداعي أعيشهُ مع الشعر هو استحضار الانسان.. هذا الكائن الخرافيّ الذي استطاع أن يُراكم تجاربه وأفكاره وينتقل من مستوى عقلي إلى مستوى آخر من جيل لآخر، الإنسان الذي انتقل من سلوكاتٍ طينية في بداياته الى مستويات نورانيّة أحيانا وجهنمية أحيانا أخرى، سيظل شاهدا على عبقرية الصّانع الخالق عزّ وجل، لذلك فالانثروبولوجيا لا تتوقفُ عند حدود العلم والنظريات والفرضيات والابحاث. معي شخصيا تتحول الانثروبولوجيا الى وسيلة لتأثيث النص الشعري واختصار التجارب الانسانية..  لا أحرّك هذه التجارب والشخوص التاريخية داخل النص فقط، ولا أعني النص الشعري فحسب بل السرديّ أيضًا، حيثُ يتشكّلُ الرمز بتجلياته بداخلي مثلما يتشكّلُ الجنين،  وذلك قبل أن تتحرك في النصّ، فتفرضُ عليّ منطقها القويّ جدا، حيثُ أجدني فاتحا باب الشعر لدخول كائنات التاريخ وأحداثه من خرافات وأساطير. وأعتقدُ أنّ هذا ليس حكرا على شاعر دون غيره، بل إنّ انتشار المعرفة وسهولة الوصول الى التاريخ بكل مكوّناته من خلال التكنولوجيات الحديثة هي الجوّ الذي فرض نسقا شعريا جديدا يبتعد عن التعقيدات اللغوية والصور الشعرية النمطية ويقترب من أن يكون التاريخ كله لحظة واحدة تتفاعل فيها التجارب الشعرية والشعورية لتشكل ملمح القصيدة الجديد. وطاسيليا، هي تجربةٌ واعيّة، من خلال استحضار أسطورة “عروس المطر” التي ينتشر أثرها في الثقافة النوميدية القديمة، حيث يقعُ فيها صراعٌ بين إلهِ المطر أنزار وغيلاس العاشق للعاشقة تيسليث “طاسيليا” التي أخذها أنزار عُنوة إلى عرشِ الماءات، لأنّهُ يملكُ القوّة والماء. وأحدثتُ من خلال نصّ مُمسرحٍ على صيغة الأوبرا الملحميّة صراعات بين الماء والجدب، الحب والقوة، الفرح والانتكاسة. يخوض غيلاس (من أسماء الأسد) الراعي المتيّم بطاسيليا مواجهة مع أنزار الطّاغي، فيدعوه إلى أن يرقص على النّار إن كان قويا، فيطفئها بالماء، ثم يدعوه لأن يرقُص على حرابٍ زرعها على قمّة جبل، فيُتلفُها بالماء، ثم يطيرُ إليه على فرسٍ مُجنّحة ليبارزه، فيُبلّلُ أجنحتها بالماء فيسقط.. ويفشلُ غيلاس في هزيمة أنزار لتحرير حبيبته طاسيليا التي تترقب تحريرها من أسر أنزار الرهيب، فيستعينُ بالرّاهب، ويخشى ألاعيبَ العرافة يونيسّا في صراع متداخل.. وتنتهي المواجهة بأن يلمح أنزار في ليلة دمعةً تخرجُ من عين غيلاس.. فيهتزّ ويقول “الماء في عينيه.. هو من يُحبّها، أنا لا أحبّها. أنا أخذتُ طاسيليا لأنني قويّ..”. لقد نال النّص قسطًا وافرًا من النقد والدراسات الأكاديميّة، وأثنى عليها الشاعر محمد علي شمس الدّين واعتبرَها عودة للنصوص الملحمية المؤسسة على الأسطورة.

 

ـ فى نصّ  “قصائد خارجة من الحصار” وجدنا تنوّع القوافي كسمة بارزة في النصّ إضافة إلى التكرار بصفته ملمحا إيقاعيا إضافيا . وكذا تعدد القوافى .. حدّثتنا عن أثر ذلك كلّه على المستوى الدلالي؟ وإلى الجانب الجمالي الذي يهدف إلى إحداث التأثير في المتلقّي بغية ترسيخ الدلالات المستهدفة؟

-فعلا هي قصيدة كتبتها بداية الثمانينيات، ضمن موجةِ تفاعل شعراء جيلي مع اجتياح بيروت 1982، حيث كتبتُ عددا معتبرًا من القصائد التي تجعل من حِصار بيروت والمقاومة الفلسطينيّة مجالاً لها.. وحظيت هذه القصيدة، وغيرها باهتمام الدارسين، طبعا على مستوى الشكل والمضمون، وأتذكر أنّ هذه الفترة بالذات، قبل أربعين عامًا، شهدت ميلاد نخبة من الشعراء الحداثيين في الجزائر الذين سعوا لتجاوز النّص الشعري المؤدلج، إلى الذي الشعر الذي يوائمُ بين جمالية اللغة والنفس الإنساني، وكان للوضع السياسيّ والاجتماعي والثقافي تحديدا أثره الواضح على الرفض المطلق للسائد واليومي والعادي في تلك المرحلة، فوجدنا أنفسنا نتّجه الى التجديد الذي يفرضه منطق الواقع.. التجديد داخل السّائد.. وإعادة صياغة رؤية مختلفة داخل فضاء الحداثة، والبحث عن أفق جديد للشعر الجزائري بعيدا عن النمط الشعريّ التقليدي الذي لم يعد كافيا لاستيعاب اللحظة الانسانية الجديدة.. كان البحث عن التغيير هدفنا الأول كأفراد، التغيير على مستوى السياسة والاقتصاد والمجتمع.. والبحث عن التغيير في مضامين الشعر التي كان لا بدّ أن تتسع أكثر لتشمل الأسئلة الفكرية والثقافية في تلك المرحلة وتتجاوب مع الوعي الجديد. فكان التّدوير واللعب في بنية الإيقاع وتغيير القوافي والانتقال من قافية لأخرى.. وفي بعض الأحيان الانتقال من بحر شعريّ إلى بحر آخر.. أي الحفاظ على هُويّة القصيدة العربيّة في إيقاعاتها، وإحداث نقلة في توظيف مفردات أنتجها تطوّر المجتمع اللغوي، فكانت فترة تجريب حقيقية عشناها رغم رفض الأجيال السابقة في تلك الفترة لما كانوا يسمّونه (عبث التجريب).. أعتقد أن هذا المصطلح هو المناسب للزاوية التي كان ينظر من خلالها كبار الساحة في تلك المرحلة لتجاربنا الشعرية، مثلما صنفتنا أجيال لاحقة بأننا تقليديون شعريا.. لكن ذلك الانتقال من قافية الى أخرى ومن بحر إلى آخر ومن رمز الى آخر كان بدافع البحث عن حقيقة بدتْ زئبقيّة بالنسبة للبعض، لكنّها شكّلت بالنسبة لشعراء جيلي، أمثال فلّوس وفنّي وحديبي وطاهوري ويحياوي ولوصيف وغيرهم بداية البحث عن مشروعٍ مختلف.

ـ هل يحتاج العرب إلى الشعر فى وضعهم الحالى؟ أم الى العلوم التكنولوجية، ونحن نعيش ثورة بل طفرة فى تلك العلوم خاصة الرقمية؟

-عن أي شعر نتحدّث؟ هل نتحدث عن القصيدة؟ القصيدة ليست إلا شكلا ونمطا فنيا استوعب الشعر في مراحل تاريخية كثيرة، لكنها قد لا تستوعبه الآن.. لقد قفز الشعر إلى الحياة وصار قريبا منّا جدا، الشعرُ جوهر الحياة، وهو الذي انطلقت منهُ كل التكنولوجيا والعلوم، ولا بدّ أن تعودَ إليه يوما ما، متأكد من أنّ عالم الرقمنة الآن  يسير إلى الشعر في أعمق معانيه، فحين يتقاطع الميتافيرس مع الهُولوجرام بالـتأكيد ستنتقل الخيالات والأحلام والتصورات وينتقل معها الشعر من الذات الى الواقع، لذلك لا خوف على الشعر من التكنولوجيا، لكنّ ربّما تُصبحُ القصيدة بعد عقودٍ تحفة أثرية من الماضي القديم، ألم يتبدّل نمط القصيدة، كما تتبدل أطباق الأكل.. فمن العمودي إلى المرسل والحرّ والنثري والنمط الأوروبي والهايكو.. وغيرها من لُبوس النص الشعري. لا ندري أيّ شكل تأخذه القصيدة غدا، فربما يأتي وقت، لن يكون بعيدا يكتب فيه الكومبيوتر قصيدته ولو كانت خالية من أحاسيس البشر، لكنه سيكتبها حتما، ما دام قادرا بالخوارزميات على تحرير نصوص كاملة. إنْ لم ينجح الشّعراء في إبعادِ قصائدهم من التكلّس في بنية واحدة، أو الذوبان في تجاربَ مختلفة تُبعِدهم عن أحاسيسهم، سيعيشون أسرى التكنولوجيا المُفرطة في التّرفِ واستعباد المشاعر.. وأحيانًا أتساءل، لماذا كتبَ نيل أرمسترونغ قصيدة بعد عودته من رحلة القمر، ولم يكن شاعرًا؟.. هل لأنّ الشعر يملك سرّ جاذبيّة اللغة؟. لهذا يمكنني أن أقول إنّ تطوّر أجناس التعبير الأدبي، وأهمها الرواية، لن يُفقد الشعر قدرته في اختراق مسامات العولمة، بتطور التألية والترجمة الفائقة الدقة، مما يُمكّن النص العربي من بلُوغ اللغات الأخرى، وبلوغ الأشعار التي أنتجتها قرائح غير العرب الذّائقة العربيّة بترجمةٍ تتكئ على التكنولوجيا الحاملة للمعنى.

 

 ـ كل المؤشرات، تدل على أن الشعر فى طريقه إلى الانقراض ..ماذا فى تصورك إذا حدث هذا؟

-قلت لك إن الشعر لن ينقرض، ألم يحسبوا لآدم عليه السلام نظم قصيدة في رثاء ابنه؟. قبل القصيدة كان هناك شعر، لكن في النقوش الحجرية والمدافن، في رسومات رجل الكهوف وفي الأحلام التي عبر بها الانسان الأول بالرسم قبل اللغة.. ربّما تختفي القصيدة لكن الشعر لن يختفي أبدا ما دام هناك حياة بشرية. لأنّه إذا اختفى، لن نسمع بعده أغنيّة أبدًا..

ـ رغم بدايتك كما عرفت كشاعر، إلا انك اتجهت الى الرواية ..فهل هذا لاننا صرنا فى عصر الرواية حيث الفضاء الذى يُمكّن المبدع مع تناول قضايا كبرى، سواء تاريخية، أو تخييلية تخدم فكرته؟

-الأمر في اعتقادي بسيط جدّا.. حين يكون الواقع اليومي غير متزن.. وتصبح الحياة فوضى لا يمكن أن تكتب قصيدة موزونة منظمة.. الضجيج الذي يحيط بالشاعر وتباطؤ الزمن النفسيّ في داخله سيجعل منه نشازا ــ في بعض الأحيان ــ حين يكتب قصيدة موزونة منظمة.. بل حتّى قصيدة حرّة على شكل التفعيلة ستجعل من الشاعر يبدو كمن يبني منزلا طينيا في مدينةِ أبراج وناطحات سحاب.. فاللجوء إلى الرواية له مبرراته الكثيرة، منها أنّ بداياتنا مع التجريب طبعها النفس السردي داخل القصيدة، أذكر أنّني كتبت نص “النخلة والمجداف” في بداية الثمانينات وهو نص شعري واحد طويل، فالاستعداد للرواية كان واضحا جدا في بداياتي كشاعر، صحيح تأخرت قليلا لأكتبها في وقتها، لكنّي حين كتبتها استطعت أن أكتب شعرا لم أكتبه في القصيدة. ثمّ، إنّ ما تحملُهُ الرواية من أحداث وتفاصيل، لا يُمكن أن تحفل به قصيدةٌ مهما بلغت قُدرتها.. ثمّ إنّ الرواية وهي بنت المدينة كما يقال، استفادت من الدراما والسينما والمسرح، بينما بقي الشّعر يبحثُ عن منبر، وعن قارئ.. وهذا لا يعني أنّ الرواية ستلغيه. فالسينما لم تقتل المسرح، والتلفزيون لم يقتل السينما.. وكلها أشكالٌ للتعبير الفني، فكلما ضاق شكلٌ برز آخر، دون أن يحيل سابقهُ على المعاش..

ـ على ذكر اننا فى عصر الرواية، وهى مقولة للراحل جابر عصفور حولها الى كتاب.. كيف تلقيت خبر وفاته ؟

ـ رحم الله الكاتب والمثقف الكبير الصّديق جابر عصفور، لقد كانت وفاته صدمة حقيقية، فأنا أعتقد أننا لا نزال بحاجة الى جابر عصفور الذي لا أدري إن كان سيتكرر في الثقافة العربية أم لا.. لقد التقيت بالرجل وعرفته منذ نحو عشرين سنة، وكنت أتساءل دائما من أين له الوقت ليكتب ويقرأ.. ولا زلت الى الآن اعتز بشهادته في روايتي (التوابيت) حين نشر مقالا حولها في صحيفة الحياة اللندنية 2005 يقول فيه : “أعترف أن التوابيت أرهقتني، واعتذر كأي مثقف كبير على أن الكتاب والأدباء الجزائريين دفعوا فاتورة باهظة ولم ينتبه لهم أحد.”. لكن وجب علينا أن نتوقف عند جابر عصفور.. هل أعطت الساحة الثقافية العربية لهذا الرجل حقّه؟ لا أعتقد، بالرغم من أنّه كان يحملُ مشروعًا متكاملاً للثقافة العربيّة، للدفع بها نحو صدارةِ المجتمع، بطرح الأسئلة الجريئة. واسمحي لي إذا قلتُ إنّ مشكلتنا تكمنُ في عجزنا عن فكّ شفرة المستقبل.. وحين نعثر على المفاتيح، يُمكن القول لقد اقتربنا من الخروج من النفق الذي امتدّ من سقوطِ غرناطة إلى لحظة فكّ الشّفرة الضّائعة.

ـ تناولت الارهاب فى روايتين ..الأولى (توابيت) وهى واقعية تكاد تكون رصدا صحافيا لما أحدثته الجماعات الارهابية ..والثانية فى قالب فانتازىا (إرهابيس) ..هل حدثتنا عنهما؟

ـ أنّ كلا منهما تعبّر عن تجربة زمنية مُحدّدة.. فالتوابيت رافقتني طيلة التسعينات حين كنتُ مديرا لتحرير يومية الشعب ثم مؤسسا ومديرا لأسبوعية صدى الملاعب، فمديرا للإعلام بالتلفزيون الجزائري، وقد طبعتُها أثناء فترتي البرلمانية التي امتدت من سنة 1997 إلى غاية 2002.. أعتقد أنّ النفس الصحفي هو الذي طبع العمل الأول نظرا لكتابتها في مرحلة كان يسيطر عليّ الأثر الصحفي، وكنتُ شاهدًا على ما عاشهُ الشعبُ الجزائري، وفي وقت كانت فيه الجزائر معزولة إلى حدّ ما من المجتمع الدولي، وكان الآخرون ينظرون الى ما يحدث في الجزائر على أنه شأن داخلي، وقد أردتُ هذا العمل الذي يجمع بين السرد الروائي والمقال الصحفي والشاعريّة، أن يكون شهادة ضدّ النسيان، لهذا ضمّنته عشرات الأسماء، من كتاب وصحفيين وفنانين، اغتالتهم يدُ الغدر والإرهاب، وأغلبُهم من أصدقائي.. أما إرهابيس فقد كتبتها بعد تحوّل مهم في مساري الشخصي والمهني، وأعتقد أن ارهابيس كانت أكثر نضجا ووضوحا وصراحة، فالإرهاب في النهاية لا دين له. الارهاب، ليس جديدا، فهو قديم قدم البشرية ويشمل كلّ أنواع الجريمة وترويع الأفراد والمجتمعات أيّا كانت ديانتهم أو عرقهم. إرهابيس أيضا كتبتها في فترة انتبه فيها العالم لخطر الارهاب وفظاعته بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.. فالعالم حينها بدأ ينتبه الى أن ما حدث في الجزائر لم يكن شأنا داخليا أبدا.. لقد كان جريمة دولية متكاملة الأركان، ساهمت فيها كل قوى الشرّ المارقة التي تتحرك داخل المجتمع الدولي، صحيح لم نكن نتمنى أن يفتح العالم عينيه على هذا الجسم الخطير بهذا الشكل.. اقصد احداث برجي التجارة العالميين، إنّما كنا نتمنى أن يكون صناع القرار في العالم أكثر حكمة واتزانا قبل ثلاثين عاما، حيث كنا وحدنا نواجه هذا الكيان الفكري والايديولوجي الخطير والمنفلت من عقال الظلامية.. تمنينا لو أنّ صناع القرار الذين شرعوا حينها في عولمة كلّ شيء أن يستمعوا لصوت الجزائر، وألاّ يكتفوا بطرح سؤال غير بريء “من يقتُل من في الجزائر؟”.. الحمد لله تمكننا من القضاء على الارهاب وحدنا دون مساعدة أي جهةٍ من المجتمع الدولي.. بفضل جهود جبارة وخطوات عملاقة   قامت بها الجزائر.. ارهابيس جاءت لتقول لكل صناع القرار في العالم، أنّ الارهاب لا دين له.. والكراهية لا عرق لها. ومُحصّلةُ الرواية التي تجري أحداثها، افتراضيا، في جزيرة داروين، التي تمّت فيها أبحاث النشوء والإرتقاء، بأرخبيل غالاباغوس القريب من الأكواتور، وكيف يتشكّل كيانٌ من الإرهابيين والقتلة ورموزهم في القرن العشرين، وأيّ مسافة بين تفكيرهم والنزعة الإنسانيّة.. وهي محاولة لتفكيك هذا الإثم الكبير الذي أتعبَ العالم، وزرع الخوف في أرجائه.. وهي مُحصّلة بحث في سير شخصيات انتهجت أسلوب القوّة والعنف والإرهاب لتغيير العالم، من هتلر وبينوشيه إلى الأفغان العرب..

ـ رواية اعترافات أسكرام تتناول التاريخ، وقضايا كبرى فى إطار تجريبى، أو لنقل استشرافيا، اذ تجرى الاحداث فى عام 2040 ولم تستند على الاستشراف وحسب، بل والاسترجاع ايضا. حدثنى عن تلك التجربة. وهل قصدت أن تخوض غمار الحداثة؟ وهل نجح كُتاب الرواية الحداثية فى الوصول للمتلقى العام ؟ أم أنهم يخاطبون المتلقى الخاص أو لنقل المتخصص؟

-إنّ أهمّ حافز جعلني أتجه الى الرواية في بعض الأحيان ــ مع عدم انقطاعي عن الشعر ــ هو السؤال التالي: كيف يمكنُ أنْ أقول للمتلقي والقارئ ما أتوقعه وما أستشرفه؟ هل سيدرك القارئ تحديات المعرفة ورهانات الوعي عن طريق القصيدة أم عن طريق السرد؟ إنّ اعترافات أسكرام في الحقيقة ليست مجرد سرد، وأخذت منّي وقتًا يتجاوز أربع سنوات، مع كتابة متقطّعة، باعتبارها تضمُّ ستّ روايات في رواية واحدة، نظرًا لاختلاف الأبطال الذي تجمعُ بينهم سهرة ليلة رأس السّنة 2040 بفندق أسكرام بالاس (منطقة الطوارق) حيثُ يُقدم كلّ واحدٍ اعترافاته. إنّ الرواية مفعمة بالأحداث، ولكنها أيضًا حافة بالتنبؤات التي تحقّق كثيرٌ منها.. واعتمدتُ في ذلك على كوني درستُ الإستراتيجيا، في مرحلة التدرُّج الجامعي، ومكنتني المقاربات التي قمتُ بها من خلال وضع احتمالات لأحداث قد تقع، ووقعت، لاحقا بعد نشرها.. وتناولت عديد الصحف ذلك. لستُ نوستراداموس، ولكنني بنيت ذلك على مسارات أحداث، ونراكم وقائع، تنتهي حتما إلى نتيجة معيّنة.. فالمستقبل موجود كما يقول العلماء، وهو مفتوح على كل الاحتمالات وكلما تمكنّا من التحكم في اللحظة الراهنة، كلما كان الحلم واقعا نؤسس له من خلال المعرفة والعلم والثقافة والفكر.. واعترافات اسكرام هي في الحقيقة رواية قيل فيها الكثير، واختلفت حولها القراءات، لكنّي حين كتبتها كنت على يقين من أنّ عوالمها قابلة للتحقيق، وأنّ مآلات آسكرام، هذا الجبل الخرافيّ ستكون يوما ما واقعا ملموسا، وأنّ تام سيتي هذه المدينة المتطورة جدّا ستكون واقعا، وإن لم تكن في أسكرام ستكون في مكان آخر غير بعيد عنها.

ـ هل نجح كُتاب الحداثة في الوصول الى المتلقى؟

ـ عن أي كُتاب نتحدث؟ عن الكتاب في العالم العربي أم الكتاب في كل العوالم؟ ليست لديّ إجابة واضحة وصريحة في هذا السؤال، فنجاح الكاتب مرتبط ٌأساسا بالفرد وبالمجتمع.. فالمكان والتوقيت مهمان جدا في معرفة نجاح كاتب من عدمه، على سبيل المثال.. لا أعتقد أن كلّ الكتاب والروائيين العرب تمكنوا من النجاح، لقد فشلوا، باعترافهم، في الوصول الى وعي القارئ، هذا الفشل لا يتحملون مسؤوليته أبدا.. الذي يتحمل المسؤولية وحده هو تلك العراقيل والمطبات التي تعترض سبيل الفرد والمجتمع في تحقيق خطوة أو خطوتين نحو الوعي والتنوير.. إن صدق الكتاب والروائيين العرب في تقديم الحداثة من خلال الرواية قابلته أطراف منفلتة ثقافيا تجعل من المجتمعات والشعوب العربية غير قابلة لأي تقدم نحو الأمام.. الأمر في تقديري، يبدأ من إعادة النظر في مناهج التعليم، وتخليصها من عبء الإيديولوجيات الفاشلة، لأننا نريدُ من المدرسة أن تُنشئ مواطنًا لا مُناضلاً، ونريد من الجامعة أن تُنشئ مخابر للعلم ومنظومات للتفكير، وليس أكشاكًا لبيعِ الوهم.

ـ (عذراء الجبل) مسلسل  تلفزيوني، يتناول نضال البطلة فاطمة نسومر ضد الاحتلال الفرنسى .. بالاضافة الى أهمية تناول رموزنا الوطنية دراميا وأدبيا حتى نرسخ فى نفوس الاجيال قيم الوطنية والانتماء ..سؤالى الى أى مدى يتم تجسيد تلك الاعمال فنيا بشكل موفق ومُرضِ؟ وما رأيك فى تدنى مستوى الدراما العربية عامة؟

-لا يمكن أن ننتظر من الدراما العربية أكثر من هذا الواقع.. فحين ينهزم الفرد والمجتمع والسياسة والثقافة، وحين يحدث كل هذا المخاض الأليم الذي استمر لأكثر من عقد من الزمن، دون أن ينتج شيئا مهما..  وأقصد ما يسمى بالربيع العربي الذي عندما ننظر إلى نتائجه على كلّ الأصعدة، نكتشفُ أنّهُ مجرّد حملٍ كاذب، فعن أيّ دراما عربية نتحدّث؟  الدراما أساسا تتأسس على الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، هذا الاستقرار غير موجود في عالمنا العربي اليوم للأسف.. نمتلك خزانا إنسانيا كبيرا ولافتا في رموزنا الوطنية في عالمنا العربيّ، غير أنّي غير متفائل تماما بقدرتنا ــ على الأقل في الوقت الحالي ــ على استعادتها فنيا ودراميا، أعتقد أننا تأخرنا بما يكفي لنخرج من المنافسة في سوق الدراما والسينما العالميتين.. سيبقى ما يُنتج، سلعة استهلاكيّة لا غير، وليست استثماريّة تقتربُ من وعي الفرد. كلّ شيء بيعٌ وشراء.. وأما عذراء الجبل، فعمرُ المسلسل عشرون عامًا، كان هدفُه تخليد نضال ومقاومة المرأة الجزائريّة، ممثلة في لاله فاطمة نسومر التي هزمت خمسة جنرالات، وهي التي ولدت في جبل ونشأت في جبل، وقاومت في جبل، وتمّ أسرُها في جبل..

 

ـ المسرح أبو الفنون ، وقد قدمت عددا من الاوبريتات، فى حين أن المسرح يفتقر إلى تلك النوعية من الاعمال ..إذ يحتاج إلى نصوص ذات خصوصية شعرية وموسيقية، بالاضافة لتكلفته الانتاجية الكبيرة ..فهل لانك شاعر تمكّنتَ من كتابة الاوبريت؟ حدثنى عن تجربتك مع المسرح.

-بالضبط.. لكن في النهاية نحنُ أمام خشبة.. ممثلين.. وجمهور، فالنص الموجّه للمسرح غير النص الموجه للاوبيرات، باعتبارها نص غنائي استعراضيّ مسرحي، بينما المسرح شيء مختلف تماما، لقد كان لي الشرف أني كنت من أوائل كتاب الاوبيرات في الجزائر، على غرار أوبيرات قال الشهيد، ملحمة الجزائر، وحيزية، والشمس والجلاد، وحققتِ النجاح المأمول، أمّا تعاملي مع المسرح  فكان في نصوص كثيرة من بينها الدالية، حمّة الفايق، حمّة الإسكافي، عيسى تسونامي.. وفيها إسقاطات على الواقعين الاجتماعي والسياسي.. وعُرض بعضها حتّى وأنا وزير.. وكانت حاملة لشحنة من النقد الصريح.  ونلتُ في 1998 جائز أفضل نصّ في مهرجان المسرح المحترف.. وأنا حاليا، بصدد استكمال نصوص مسرحيّة جديدة، وأخرى من المونودراما.. وأفضّلُ دائمًا، تسميّة ما أكتبه، مسرح السؤال. ولا بأس إن أشرت إلى أن المسرح التعبيري، تعود ملامحه الأولى إلى حضارة التاسيلي (الطوارق) حيث ألف في هذا الشأن الباحث الأنثروبولوجي الروماني جورجي كريستيا كتابا بعنوان الصحراء، قبل أربعين عاما، حلّل فيه الرسومات الصخرية، وأثبت علميا أن تلك الرسومات تؤشّر لوجود تعابير مسرحية تعود لثلاثة آلاف سنة.. علما أن كلا من جورج أبيض ويوسف وهبي زارا الجزائر في فترة الاحتلال، وقدما أعمالا مسرحية هي محلّ توثيق في ذاكرة المسرح الجزائري.

 ـ ترتفع الاصوات عادة عند الحديث عن ظواهر الركود والتراجع فى ميادين الابداع عامة ..بالشكوى من غياب النقد !! فكيف تنظر الى النقد الادبى العربى فى هذه المرحلة؟ وما طبيعة العلاقة بينكما؟

-النقد مناهج، والمناهج تتغير، لكن النص خالد لا يتغيّر، وأنا أكتب لا كي يدرسني النقد.. بل كي أتجاوز النقد.. قد أنجح وقد لا أنجح.. لكن في النهاية لست راضٍ عن النقد العربيّ بالشكل الكافي، لأنّ مظاهرهُ لم يعد لها أثر، وما نقرأه لا يعدو أن يكون مجرد انطباعات، وكتابات إخوانيّة أو تحت الطلب. ولعلّ النقد والدراسات الأكاديميّة التي تتناول بعض الأعمال الروائية والشعريّة تنتجها الجامعات ولا تغادر أسوارها. ولا يطلعُ عليها القارئ المهتم.. ورغم انتشار المدونات والمواقع المتخصص، فإنّ أثر المتابعات النقديّة، لا يأخذ اهتماما لدى القارئ والمتلقي، إلاّ إذا كان يتضمن تجريحا واتهامات بالسطو.. أو تصفيّة حسابات.. لهذا لم يعد الروائيون، والشعراء والقصاصون، يهتمون كثيرًا بما يُكتبُ، قدرَ حصولهم على آراء من يعرفون من القرّاء الموثوق بهم.

ولن أتحدث عن نفسي، فالحمد لله أنجزت المئات من الأطروحات الجامعية، من مذكرات، وماستر، وماجستير ودكتوراه، في الجزائر وخارجها.. فضلاً عن بعض الدراسات التي تصلني من بعض الدارسين المهتمين. لكني ألاحظ أنّ المتن الأدبيّ الحالي تجاوز النقد الذي لم يعد قادرا على ممارسة وظيفته الأساسية التي أوجدته.. وهي توجيه الساحة الأدبية، الذي يوجه الساحة الأدبية اليوم ليس النقد ولكن.. الأمزجة.

 ـ تقلدت عددا من الوظائف والمراكز منها: مدير عام المؤسسة الوطنية للإذاعة، كاتب دولة للاتصال بالحكومة الجزائرية، مدير عام المكتبة الوطنية الجزائرية، رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، وزير الثقافة، ماذا اضافت تلك المناصب لك؟ وماذا اضفت لها؟

ـ من الصعب جدا أن أحكم على ما قدّمت وما أضفت لكل هذه المناصب، لكنها قدّمت وأضافت لي الكثير في تجربتي كخادم لشعبي ودولتي في مجالات تناسب اهتماماتي لأنها متقاربة، أقصد الإعلام والثقافة.

 ـ أنت صحفى رياضى ومؤسس أول صحيفة رياضية فى الجزائر.. كيف تقرأ المشهد الرياضى فى الوطن العربى ؟ وهل يمكن للرياضة أن تلعب دورا ما فى التقريب بين الشعوب أم العكس ؟

ـ بالمناسبة، لست مؤسس أول صحيفة رياضية في الجزائر، فهناك صحف رياضية كثيرة سبقتني، صحيفة المنتخب والشباك وغيرها، لكنني أسست أول أسبوعية رياضية مستقلّة باللغة العربيّة ملونة في الجزائر وهي (صدى الملاعب ) سنة 1992، ذات سحبٍ كبير. لكني أرى أن مهمة الرياضة الأساسية هي التقريب بين الشعوب.. وأعتقدُ أن أبرز مظهر للعولمة هو الرياضة، من خلال كؤوس العالم لمختلف الرياضات، والألعاب الأولمبية، ويجب أن ننوه في هذا المجال بالتطور الحاصل على مستوى القوانين والنظم التي تسير هذا المجال. ولعلّ قوّة اتحادات الرياضة في العالم تبرز من خلال رقمين لهما دلالة، هما 204 دول أعضاء في الفيفا، بينما الأمم المتحدة تضم 174 دولة.. فالعالم يفكّر برجليه. وللعلم، ففي حوزتي ثلاثة كتب في ما أسميه، الأدب الرياضي، هي (ومع ذلك فإنها تدور 2006) و(كتاب جابولاني 2010) و(ميسي والآخرون)، وكنتُ كاتبًا لمقال رياضي أسبوعي بسوبر الإماراتية، والحياة اللندنيّة، فضلا عن أنّني كنتُ أول من أسّس جائزة الحذاء الذهبي الجزائري في 1993.

 

 ـ هل لنا أن نتعرف على ما اضافه وزير الثقافة عز الدين ميهوبى للشعب الجزائرى فى فترة توليه الوزارة، وخاصة أنك مبدع بالأساس وتقدس الثقافة؟ وما هى الطموحات التى لم توفق فى تنفيذها؟

ـ لقد كلفت بمهمة ترأس قطاع الثقافة لأربع سنوات.. بذلت فيها جهدي كاملا لتقديم الإضافة المأمولة، فالتاريخ والمواطن الجزائري وحدهما من يمكنهما أن يحكما على هذه الفترة إن سلبًا أو إيجابا. اشتغلت على جبهات كثيرة، الفعاليات الكبرى، التراث والآثار، والسينما والمسرح والكتاب، والفنون، والتواصل مع العالم.. ولكن أثناء الممارسة تكتشف أنّالله الورشات الثقافيّة لا يُمكن لها أن تنتهي أبدا، لأنّ متطلبات الثقافة متنوّعة أيضًا، والآراء مختلفة  وإرضاء الناس غايةٌ لا تُدرك، كما أنها لاتُترك.

 

ـ سؤال تقليدي. بمن تأثرت؟ ولمن تقرأ؟

ـ أوّلا.. أنا مدينٌ لوالدي جمال الدين، لأنه وضعني في بيئة محبّة للكتاب ومجالس الأدب، ومدينٌ لأقدار التي ساقتني لأن أتعرف على أساطين الثقافة ورموز الأدب العرب منهم والعالميين، إما بصفتي الصحفيّة، أو لرئاستي لاتحاد الكتاب الجزائريين، والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، أو لمسؤولياتي الأخرى منها وزير الثقافة.. فقد حاورت وجالست أسماء كبيرة، منها الحائزان على نوبل نجيب محفوظ ومُو يانْ الصيني، غالي شكري، محمود درويش، الطيب صالح، الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، أحمد خليفة السويدي، محمد بن أحمد السويدي، أبو شهاب، جوزيف حرب، ألفريد فرج، محمود أمين العالم، البياتي، سورتاريوس،  عبد الرزاق عبد الواحد، أدونيس، محمد بنيس، محمد أركون، سليمان العيسى، هارون هاشم رشيد، بول بالطا، السائحي الكبير، جابر عصفور، أحمد عبد المعطي حجازي، الفيتوري، شاكر الفحام، علي عقلة عرسان، ممدوح عدوان، محمد شحرور، عبدالعزيز البابطين، خليفة الوقيان، وعفيفي مطر، أبو شجة، ولد عبدي، سيدي ولد أمجاد، عبدالرحمن رفيع، أشجان الهندي، حسن حميد، ساجدة الموسوي، مصطفى المصراتي، علي الفزاني، إبراهيم الفقيه، العروسي المطوي، محمد الصغير أولاد أحمد، محمد سلماوي، شهاب غانم، ميسون صقر القاسمي، الأعرج واسيني، أحلام مستغانمي، منصف المزغنّي، إبراهيم بوهندي، أحمد بخيت، علي فهمي خشيم، مبارك ربيع، زهور ونيسي، سيف الرحبي، المفكر أحمد ماضي، ورفعت سلام وغيرهم كثير.. أما القراءة، فأختار ما يستهوني من إبداع أو فكر أو استراتيجيا.. وصرت مُدمنا على الكتاب الألكتروني، بفعل تبعات الحجر الذي فرضهُ وباء الكوفيد..

وأعتقد، بحكم تتبعي لحركة الثقافة العربية، أن هناك تحولا كبيرا في الخريطة، ببروز القطب الخليجي، بما يوفره من مجالات استقطاب هائلة، أمام تراجع قطبي المغرب والمشرق العربيين، وكذا قطب المهجر.. من خلال بيئة الحوافز والجوائز والمؤتمرات والإصدارات، وانتعاش سوق الاستثمار الثقافي.. وهذا التحول بحاجة إلى قراءات معمقة، لأن مستقبل الثقافة العربية، أخذ مساره ضمن هذا المنحنى.. وهو ليس خيارا، بل حتميّة وواقعا نعيشه، ونتفاعل معه..

 ـ وأخيرا وليس آخر، ما أهم طموحاتك وآمالك العامة، والخاصة؟ وهل لنا أن نعرف خططك فى الفترة القادمة؟

-أتمنى أن تنجح البشرية في تجاوز محنتها الحالية، وباء كوفيد19، وعلى الصعيد الشخصي هناك رواية جديدة ستصدر قريبا أتركها مفاجأة للقارئ العربي، فضلاً عن ثلاثة كتب هي (انتحار الأبجدية) حول الأمن اللغوي وصراع اللغات، و(خطأ أن تكتب، خطيئة أن تنسى) و(ما لم يعشهُ السندباد)، ومجموعة شعريّة جديدة.

وقد شرعت في كتابة رواية تدور أحداثها في بلدة بالبرازيل، وتنتهي ببلدة في الجزائر، مرورا بالأندلس..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى