مواضيع منوعة

قوارب تراقص أمواج الموت والأمل

أ.نور ريان

شارك

قوارب تراقص أمواج الموت والأمل

 

أ.نور ريان

لم يعد للحياة معنى ولم يعد للهجرة سن محدد.

على متن قوارب مطاطية، تبدأ مغامرات لا يشارك في بطولتها الشباب فحسب بل حتى النساء والحوامل وأحياناً عائلات بأكملها.  مغامرات تقودهم في رحلات مجهولة المصير لتحقيق أحلام تتحول في معظم الأوقات الى سراب. تراهم وكأنهم على حلبة مصارعة للهروب من حالة إحباط ويأس من واقع اقتصادي واجتماعي يزداد تدهورا يوما بعد يوم.

أصبحت السواحل الاسبانية مسرحا لتوافد نوع جديد من المهاجرين غير الشرعيين قادمين في أغلبهم من شمال افريقيا ومن الجزائر خاصة. يطلق على هؤلاء المهاجرون اسم “الحراقة” وهو ما يعني عبور الحدود بدون تأشيرة او “حرق الحدود” باللهجة الجزائرية. شباب اختاروا التخلي عن هويتهم على الشواطئ التي يغادرونها مع امل الحصول على هوية ثانية عند وصولهم الضفة الثانية من البحر الابيض المتوسط.

شباب يفرون الواقع الصعب في ظل الحراك الشعبي الذي يعيشه البلد منذ تاريخ 22 شباط/فبراير 2019م.

في ساعات متأخرة من الليل وعلى متن قوارب ذات محركات حرارية تجدهم يحتشدون في محاولة لعبور البحر الذي يفصلهم عن أوروبا، عن اسبانيا خاصة التي تعتبر بوابة أوروبا لهؤلاء الشباب.

شعارهم هو “الموت في البحر ولا الموت في الجزائر”، مفاهيم “التردد” و”الخوف” حذفت من مصطلحاتهم اليومية.

الهجرة أصبحت همهم الوحيد، مراهنة بالحياة. الكل يدرك ان الوصول الى الشواطئ الاسبانية غير مضمون ورغم ذلك فهم متمسكون بأحلامهم مهما كان الثمن.

الهجرة بالنسبة لهؤلاء الشباب مشروعاً لا يحتاج الى دراسة مسبقة، ولا يجب التفكير فيه كثيرا والا تصبح الحكاية موضوعاً فلسفياً تدور اسئلته على محور دائري لا مخرج منه.

هؤلاء الشباب لا يريدون معرفة ماذا يكون مصيرهم إذا وصلوا الشواطئ الاسبانية بنجاح، ولا معرفة ماذا يكون مصيرهم إذا واجهتهم عواصف بحرية، ولا ماذا يكون مصيرهم إذا توقف محرك القارب، ولا ماذا يكون مصيرهم اذا انقلب القارب في البحر، ولا ماذا يكون مصيرهم اذا تعرضت لهم قوات خفر السواحل.

هكذا كان وضع فائزة، فتاة في مقتبل العمر ترى ان الحياة في حد ذاتها مغامرة كبرى خاصة في الجزائر حيث لا يمكن تخطيط أي مشروع مستقبلي. الحياة في الجزائر تعاش يوم بعد يوم وكل يوم يحمل مفاجأته الخاصة تقارنه بكل سخرية ببيض “شكولا كندر” الذي يحتوي بداخله على مفاجأة للأطفال. فائزة خريجة معهد الحقوق، كانت تحلم بأن تكون محامية تدافع عن حقوق المظلومين في بلد لا زال شبابه يبحث عن مستقبل أفضل.

لم تفكر فائرة يوما في الهجرة، الفكرة عبرت ذهنها لما قررت فضيلة، اختها الكبرى الالتحاق بزوجها الذي وصل الشواطئ الاسبانية بسلام منذ أشهر في ظروف تصلح ان تكون سيناريو لفيلم درامي. فضيلة قررت ان تفاجئ زوجها وان تلتحق به وكأنها تريد ان تبرهن له انها قادرة على تحمل الصعاب مثله.

مشروع فضيلة تم ترتيبه بشكل سري ولم تخبر به أحد ما عدى اختها الصغرى التي أصرت على مرافقتها في هذه السفرية. ربما لأنها شعرت بنوع من المسؤولية اتجاه اختها الحامل في شهرها الرابع.

فائزة وفضيلة لم يسعفهما الحظ، غرق القارب الذي كانتا عليه وغرقتا مع كل رفقاء الرحلة. خبر وفاة فضيلة كان صدمة على زوجها وأكثر من صدمة على والدتها التي لم تكن على علم بمشروع هجرة بناتها. لم تتقبل خبر وفاتهما الى حد رفضها تقبل التعازي ما لم تستلم جثامين بناتها. صرختها عند سماعها النبأ حطمت جدران الحي الذي تسكن فيه.

مثل هذه الرحلات لا يفكر فيها المغامرون كثيرا. كل المراحل تحضر في سرية تامة. المسؤول عن هذه الرحلات مجهول الهوية، صاحب القارب مجهول الهوية وحتى المسافرون مجهولو الهوية.

الشروط المفروضة على المرشحين لهذا النوع من الهجرة تلخص في جملتين:

  • ممنوع حمل امتعة سفر وبطاقات الهوية،
  • دفع ثمن التذكرة بشكل مسبق،

فسعر التذكرة يعادل ثلاثة اضعاف أدنى راتب في الجزائر. فضيلة باعت كل مجوهراتها لم تحتفظ الا بخاتم خطوبتها لكي يذكرها بزوجها ويمنحها ما تحتاج من طاقة وشجاعة لمواصلة هذه الرحلة.

بينت الإحصائيات الصادرة في شهر سبتمبر، أن حوالي 10.700 مهاجر و942 قارب التحقوا بالشواطئ الاسبانية عبر جزر البليار مقابل 9021 مهاجر و697 قارب السنة الماضية. وقد تم تسجيل أكثر من 1700 حراق على الشواطئ الإسبانية خلال شهر سبتمبر فقط.

لم يعد المركز الدولي لتحديد هوية المفقودين هذه المنظمة غير الحكومية (CIPIMD) يمتلك ما يكفي من مفردات لتقديم التعازي لأهالي الضحايا الذين يرمي البحر بجثثهم، ولأنهم يعبرون البحر بدون جوازات، فمن الصعب جداً التعرف على هوية الضحايا الذين تجرفهم الأمواج نحو الشاطئ، الامر الذي دفع بالمركز الى نشر صور لملابس الضحايا عبر صفحاته في شبكة التواصل الاجتماعي وهو كله امل ان يتم التعرف عليهم من قبل عائلاتهم التي بقيت في الجزائر تترصد اخبار وصولهم.

منذ شهر يناير ولغاية 30 سبتمبر 2021 ألقت قوات خفر السواحل الجزائرية القبض على ما يقارب 4000 مهاجر وتم تسجيل أكثر من 270 غريق. في حين تمكن ما يقارب 13000 من الالتحاق بالشواطئ الاسبانية.

وخلال الأشهر الأخيرة باشرت السلطات الاسبانية في إرجاع المهاجرين الى بلدهم رغم رفض السلطات الجزائرية عودة شبابها المهاجر.

إذا كانت اسبانيا تصر من جهتها على مواصلة عملية الترحيل، فإن الحراقة من جهتهم مصرين على استمرارهم في تنظيم رحلاتهم غير الشرعية مع امل بلوغ هدفهم الذي يكتشفون وهم في طريقهم لتحقيقه انه أبشع كابوس.

هؤلاء الشباب يفرون وضعا اقتصاديا واجتماعيا يتعقد يوما بعد يوم، بحثا عن مستقبل أفضل في ظروف مبنية للمجهول. الرحلات من الشواطئ الجزائرية نحو اسبانيا متواصلة رغم سوء الأحوال الجوية، فخلال يومين تم تسجيل فقدان ما لا يقل عن 25 مهاجر على متن عدة قوارب، الامر الذي دفع بالقوات الجوية الاسبانية الى التدخل بحثا عن القوارب المفقودة.

متى ستتوقف رحلات الموت هذه؟ وهل ستتوقف؟ ومن المستفيد الأول من هذه الهجرة؟ هل هو الذي ينظمها- مهربي البشر- او الذي يشارك فيها؟

من الصعب الاجابة على هذه الأسئلة ما لم تتخذ السلطات الجزائرية قرارات صارمة لمراقبة حدودها البحرية لوضع حد لهذه الهجرة والاهم من كل هذا وضع استراتيجية لتشغيل الشباب وتوفير كل الشروط لإعادة التكوين وتسهيل إجراءات انشاء الشركات الخاصة والتحفيز على النهوض بالتراث الوطني وجلب الشباب نحو هذا المجال.

كذلك يمكن للدولة الجزائرية ان تدخل في شراكات مع دول اوربا لتنظيم ايفاد أفواج من الالاف من الشباب الجزائري المتخصصين او غير المتخصصين لأوروبا للعمل في كل المجالات التي تعاني من نقص الايدي العاملة الاوروبية بعقود عمل زمنية واقامات غير قابلة للتجديد او التمديد مثلا لمدة 5 سنوات، ثم تأتي أفواج أخرى من الشباب بعد رجوع الافواج الأولى مما يساعد في إعطاء الفرص لجميع الشباب الراغب في الاغتراب لتكوين أنفسهم ماديا والعودة للمساهمة في بناء الجزائر.

كاتبة من الجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى