مقالات الموقع الالكتروني

تساقط رتبة فرنسا الدولية قراءة في التغول الأمريكي

شارك

تساقط رتبة فرنسا الدولية

قراءة في التغول الأمريكي

 

أ.نسيم قبها

 

كتركيا اليوم، لا يمكن لفرنسا التحكم بمصيرها بعد تتبع الموقف السياسي الداخلي والخارجي لها، مع أنها دولة مستقلة.

فحسب قول أحد المفكرين الاستراتيجيين الفرنسيين: “تريد فرنسا أكثر من أي شيء أن تكون ذات سيادة، ومع ذلك، فإن سيادتها غير كافية لضمان مصلحتها الوطنية”، وهذه الحالة تنعكس على سياساتها الداخلية والخارجية وتدفعها إلى التكيف مع إرادة الدول العظمى، وضرورات الواقع، وبخاصة عندما تستهدفها الدولة الأولى في العالم لتقزيمها وكنسها الى الداخل، وإشغالها بمشاكلها المحلية والإقليمية. وهو ما يحدث لكل من بريطانيا وفرنسا وروسيا.

والأمثلة على التوغل الأميركي في النظام الفرنسي ومحاولات زعزعته وتفكيك آليات استقلاله كثيرة، فقد شرعت أميركا بإستثمار مسألة “الإرهاب” والبيئة والهوية واحتجاج السترات الصفراء، بالإضافة إلى السيطرة على شركاتها الكبرى مثل شركتي توتال وميشلان، عبر محافظ الاستثمار الانجلوساكسونية؛ لإبطال فعاليتها وأداتها الاقتصادية الاستعمارية، وكذلك تقليص وارداتها الضريبية عبر سيطرة شركات التجارة الإليكترونية الكبرى، والتأثير على سياستها الداخلية، من خلال بث أفكار الانفصال، ومعاداة الهجرة، ومن خلال شبكات التواصل الاجتماعي، والإعلام المخترق عبر شبكات ذات توجه يميني متطرف، وإثارة مسألة الفساد السياسي في فرنسا منذ عهد الرئيس ميتران.

وهذه الأساليب الأميركية في تقويض الحياة السياسية الفرنسية معروفة منذ تحريضها للحركات الطلابية والعمالية التي أودت بحكومة بطل فرنسا العسكري ديغول، إثر محاولته إعادة العمل بنظام الذهب وضرب منظومة بريتون وودز، التي صممت لجعل الدولار العملة الدولية دون منازع.

وحديثاً تسعى أميركا إلى إظهار فرنسا بالدولة العاجزة من خلال تعريتها في المسألة الليبية، وفي مالي، وفي المواجهة مع تركيا، حيث “فقدت كرامتها”، ومن خلال اتفاقية أوكوس، التي أفقدت فرنسا فرصة (تواجد ريادي) في منطقة الإندوباسيفيك، أو التواجد في سوق الأسلحة لتلك المنطقة. بينما تحاول الحكومة الفرنسية إعادة توجيه أنظار الشعب الفرنسي نحو حماية الدستور والحريات والهوية العلمانية، بالهجوم على الإسلام والتحوط الوطني وتأليب الرأي العام على قضايا العولمة والنظام المالي الانجلوساكسوني ومسألة الهجرة؛ لإحكام السيطرة على الجاليات، واستغلال أهميتها كموارد مالية وثقافية لدولها الأم، والضغط عليها من أجل الحفاظ على ما تبقى لها من نفوذ ومصالح. ومن الأمثلة القريبة على ذلك قرار فرنسا بتخفيض التأشيرات الممنوحة لـ”مواطني” الجزائر والمغرب إلى النصف وتونس إلى الثلث وما تبعه من نشر صحيفة لوموند الفرنسية يوم 2/10 تصريحات نُسبت للرئيس ماكرون اعتبرتها الجزائر “مسيئة وتدخلًا غير مقبول”، و “اعتداءً على ذاكرة ملايين الجزائريين”، حيث نقلت الصحيفة عن ماكرون قوله إن “التاريخ الرسمي للجزائر أعيدت كتابته بشكل كامل”، وإن هذا التاريخ “لا يعتمد على الحقائق، بل على الضغينة التي تكنها السلطات الجزائرية نحو فرنسا”، وهذا التصريح لا يأخذ دون توقيته وظروفه؛ فقد جاء بعد تلقي فرنسا صفعة موجعة وأليمة تحتاج معها إلى رد اعتبارها سياسيًّا ودبلوماسيًّا في الخارج، بالإضافة إلى حاجة ماكرون إلى كسب تأييد اليمين القومي الذي يستميت المتنافسون في سبيل كسبه واجتذابه في الانتخابات المرتقبة في نيسان/إبريل من العام المقبل.

ولذلك ينطوي سلوك القادة الفرنسيين على مخاوف تتعلق بمستقبلهم السياسي في الداخل، ومخاوف تتعلق بفقدان ما تبقى لفرنسا من نفوذ في الخارج، وبخاصة في الوسط السياسي الجزائري الذي شرعت أميركا تدريجيًّا في إحكام السيطرة عليه، وإضعاف عملاء فرنسا من التأثير فيه؛ وهو ما يؤكده تساؤل ماكرون “هل كانت هناك أمة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي؟”؛ أي نحن الفرنسيون المسؤولون عن تكوين الجزائر بصورته المعاصرة ورجاله الموالين للغرب وثقافته!! كما أن تصريحات ماكرون تدخل في سياق التصرف الوقائي ضد مطالبات الدول المتضررة من الاستعمار، بالاعتذار والتعويض، وبخاصة بعد قيام ألمانيا بتعويض مستعمرتها السابقة جنوب غرب أفريقيا (ناميبيا) من جراء أعمال الإبادة التي قامت بها خلال فترة استعمارها. ولهذا كان رد الرئاسة الجزائرية حادًا وإن كان فيه استثمار ومغازلة للشعب الناقم على أوضاعه. حيث اعتبرت الرئاسة الجزائرية تصريحات ماكرون “تمثل مساسًا غير مقبول بذاكرة 5 ملايين و630 ألف شهيد ضحوا بأنفسهم عبر مقاومة شجاعة ضد الاستعمار الفرنسي”، وأن “جرائم فرنسا الاستعمارية، التي لا تعد ولا تحصى، هي إبادة ضد الشعب الجزائري، وهي غير معترف بها، ولا يمكن أن تكون محل مناورات مسيئة”.

ومن هذا المنطلق للموقف السياسي الخارجي والداخلي لفرنسا، وفي ظل المرحلة التحضيرية والابتدائية للانتخابات التي بدأت الأحزاب السياسية الفرنسية في شهر أيلول/سبتمبر المنصرم أولى خطواتها والمزمع إقامتها في إبريل 2022، يمكن فهم السياق الذي يتحرك فيه القادة الفرنسيون، وبخاصة أنه من المرجح أن لا يحوز أي من المرشحين على أغلبية في الدور الأول، وانتقال الانتخابات لدورٍ ثانٍ يخوضها ماكرون ولوبان التي تُمثِل اليمين الفرنسي؛ وذلك لعدم تمكن الأحزاب الأخرى من ترجمة تفوقها في الانتخابات المحلية على مستوى الجمهورية.

ومن الجدير بالذكر أنه خلال الجمهورية الخامسة لم يتمكن سوى جيسكار ديستان (1981) وساركوزي (2007) من النجاح في حملة إعادة الانتخاب. إلا أن أكثر الاستطلاعات الحالية تشير إلى تفوق ماكرون بعد تمكنه من تنفيذ سياسات حازمة تجاه الإسلام والهجرة، وهما الملفان اللذان يمثلان ترسانة المرشحين الانتخابية في لجة جدل الهوية المقلق للشعب الفرنسي. ولذا كان تخفيض التأشيرات على مسلمي شمال إفريقيا، بالإضافة إلى الحملات التي تقوم بها وزارة الداخلية على المساجد والجمعيات وعلى المسلمين، ورفع ماكرون لواء محاربة “الإسلاموية” تحت شعار محاربة “الانفصالية” والهجرة غير الشرعية بالإضافة إلى تصريحاته العنصرية تجاه الجزائر، مرتبط بانخفاض رتبة فرنسا الدولية والقارية، ومحاولة استعادتها، أو الحد من أضرارها، ومرتبط بحملته الانتخابية لاستقطاب أصوات اليمين والوسط الفرنسي في ظل إفلاسه في الحكم داخليًّا وخارجيًّا من ناحية واقعية.

وبالقدر الذي تخدم فيه تصريحات ماكرون حملته الانتخابية وأجندته السياسية الخارجية، فإنها تخدم أيضًا الطبقة الحاكمة في الجزائر، فقد أحدثت تصريحات ماكرون موجة غضب في الشارع الجزائري، مصحوبة بإجراءات اتخذتها الرئاسة الجزائرية، مثل سحب سفير الجزائر من باريس، وغلق الأجواء أمام عبور الطائرات الفرنسية إلى جبهة العمليات في الساحل الإفريقي، مما سيزيد الفشل الفرنسي في مالي انتكاسًا، ويجذب عواطف الشعب الجزائري الناقم على نظامه، ويُعمق ضغائن أهل الجزائر على فرنسا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى