مقالات الموقع الالكتروني

التحكم الإيراني بمياه الأنهار…الدوافع والسياسات

أ.محمد السعدي

شارك

التحكم الإيراني بمياه الأنهار…الدوافع والسياسات

المقدمة

أ.محمد السعدي

إستكملت إيران بناء سدودها المائية العملاقة في مواقع مختلفة داخل أراضيها واستطاعت وبشكل كامل من التحكم بالمياه الآتية من الروافد التي تُغذي نهر دجلة وشط العرب داخل الأراضي العراقية، في ذات الوقت الذي حولت فيه مجرى أنهار الكرخة والكارون خارج نطاق أراضي منطقة الأحواز العربية المحتلة، فماذا تريد من وراء ذلك؟

يقف وراء تحكُم إيران بمسير مياه الأنهار عاملان أساسيان يصبان في خدمة وتنفيذ طموحاتها العنصرية والتوسعية في آن واحد يمكن إيضاحهما كالتالي.

الأول هو عامل داخلي

وقد تمثل ذلك بتحويل مجرى مياه نهري الكرخة والكارون في منطقة الأحواز ذات الأغلبية العربية المُطلقة، لإرغام سكانها الأصليين على هجرة مدنهم وقراهم في عملية تغيير “ديموغرافي” واسعة لم يشهد لها تاريخ المنطقة مثيلاً بقصد تذويب وطمس الهوية العربية في مدنها التي بقيت محافظة على تماسكها رغم الاحتلال الإيراني لها منذ عام 1925، حيث تعتمد الخطة على تحويل مجرى الأنهار خارج تلك المناطق وتجفيف الأراضي الزراعية التي يعتمد عليها أغلب سكان تلك المدن، ومن ثم إجبارهم للنزوح خارجها وإعادة توطينهم في مناطق بديلة متفرقة بالعمق الإيراني لطمس هويتهم القومية وتذويبها بالتدرج مع القوميات الأخرى بعد أن يتم إحلال العنصر الفارسي محلها، مما سيمكن حكومة طهران بسهولة التحكم في موارد المنطقة الغنية بالبترول والمعادن النفيسة، وبذلك فأن هذا الشق إذا ما تحقق فأنه سيؤمن للسلطة التحكم بجميع موارد المنطقة بعيداً عن صُداع السكان العرب غير المرغوب في تواجدهم على أغنى مناطق الثروات في “إيران الحالية”.

الثاني هو عامل خارجي

سيؤدي تنفيذ هذا العامل الى حبس مياه الأنهار داخل الأراضي الإيرانية ومنع وصولها الى الأراضي العراقية في خطوة مبرمجة للإضرار بمصالحه الزراعية والإروائية والبيئية والصحية وتصحير أراضيه بما يتوافق والسياسية الإيرانية العاملة في العراق، وقد نتج ذلك بالفعل جراء تحويل مياه نهري الكارون والكرخة بالإضافة الى التحكم بالروافد المتعددة التي كانت تغذي دجلة بالمياه بالتجاوز على البروتوكول الخاص بتنظيم المياه بين العراق وإيران الموقع عليه في إتفاقية الجزائر عام 1975.

وبذلك ستنعكس سياسة تحويل مجرى الأنهار على تجفيف هور الحويزة في العراق والذي يتغذى من مياه نهر الكرخة بمساحته الواسعة الممتدة بين محافظتي ميسان والبصرة العراقيتين، ناهيك عن تحويل مياه الكارون “العذبة” التي ستصب مباشرة بالخليج العربي بدلاً من شط العرب حيث ستزداد الملوحة فيه الى نسب خيالية بسبب زحف مياه الخليج العربي “المالحة” الى داخل الشط، مما ستقضي على مقومات الحياة الزراعية في محافظة البصرة، وتؤدي الى هلاك ملايين أشجار النخيل المثمرة فيها وتهجير مواطنيها، مما سيترك المجال مفتوحاً لشركات التنقيب بتجريف تلك الأراضي بحثاً عن مكامن البترول التي تشتهر بها مناطق العراق الجنوبية.

كما أنها ستؤدي الى زحف إيران باتجاه خط  “التالوك” (منتصف شط العرب) حيث سيكون ذلك المنتصف وبحُكم ميلان طوبوغرافية الأرض باتجاه الأراضي العراقية لصالح إيران في محصلة نهائية تؤدي الى صعوبة دخول السفن التجارية الى داخل الشط باتجاه موانئ البصرة بسبب ضحالة المياه التي ستحل في المنتصف العراقي، مما سيوفر لإيران زحفاً مائياً “قانونياً” على حصتها في شط العرب وفقاً لإتفاقية خط التالوك، في ذات الوقت الذي تحصل فيه على موارد مالية جديدة نتيجة إضطرار السفن بالمرور داخل مياه النصف الإيراني العميق باتجاه الموانئ العراقية مع رفعها للعَلم الإيراني وهي عملية مُذلة للعراق وسفنه الوطنية.

الإستنتاج

يتبين من خلال هذا العرض المختصر طبيعة النوايا العنصرية الهادفة لإضعاف العراق كدولة ذات سيادة بما يمهد لإيران بسط السيطرة والنفوذ والتحكم بموارد المياه وتصحير أراضيه وقتل الحياة فيها بشكل متدرج كما تفعل في منطقة الأحواز العربية ليتسنى لها امتصاص ثرواته المعدنية الهائلة وتسخيرها في خدمة المشروع الفارسي في تصدير الفتنة الى العراق وسوريا ولبنان واليمن ودول منطقة الخليج العربي وخاصة الإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت، لإستكمال حلمها التوسعي في إقامة “الهلال الشيعي” المزعوم.

باحث عراقي متخصص بالشؤون السياسية والإستراتيجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى