مقالات الموقع الالكتروني

الملعب الممنوع

شارك

الملعب الممنوع

أ.لطيفة لبصير

من الطريف أن نقرأ ما تداولته الكثير من الصحف حول تصميم ملعب ستاد “الوكرة” بقطر، الذي صممته المهندسة المعمارية العراقية العالمية الراحلة زها حديد والذي سيحتضن كأس العالم سنة 2022.

لم تكن تعرف هذه المهندسة التي أبهرت العالم بإبداعاتها الغريبة والخارقة للعادة، أنها ستصبح موضع انتقاد شديد حين قامت بتصميم الملعب وأنه يصبح له اسم خاص هو ستاد “فرج المرأة”، فقد انتقدت الصحافة الغربية شكل الملعب لكونه صمم بطريقة شهوانية جدا؛ على شكل مهبل! الشيء الذي جعل المهندسة تعلن موضحة بأنها صممت هذا الملعب شبيها بقوارب الصيد بالخليج، وتشهر سؤالها في وجه الجميع: هل كل ما هو مفتوح هو فرج امرأة؟

وبالرغم من أن للموضوع نوايا خفية أخرى تنم عن رغبة الغرب في إثارة الضجيج حول بلد عربي سوف ينظم كأس العالم، خاصة بعد التشكيكات حول تزوير التصويت، فإن إثارة الجدل، من هذه الزاوية أيضا، مرده إلى أن العالم كله يمكن أن يصب في نفس الرؤية بأن إحداث إزعاج من هذا النوع يصل صداه بشكل أكبر. لم تكن سيدة الانحناءات الجمالية المهندسة زها حديد، والتي لطالما أحدثت ثورة جديدة على مستوى الإبداع الغريب، تعرف أن الإبداع الذي يحتفي بالأنوثة أيضا حين صممت أحذية نسائية مثيرة بشكل يبرز أنوثة المرأة ويحتفي بها، بأن تصميمها لهذا الملعب “المهبلي” كما تدعوه الصحافة الغربية سيخلق كل هذه الإثارة والتعليقات والاستثارات أيضا، رغم أن ما هو جنسي الآن أصبح متواجدا أكثر من أي زمن مضى على القنوات والأنترنيت ويتداول على الواتساب والرسائل السريعة… الخ.

حين نتأمل هذا الملعب الذي صار اللعب فيه ممنوعا، يمكن أن نرى من زاوية أخرى أنه مرغوب أيضا، لكنه يحدث الخوف لدى الإنسانية جمعاء، فهو مثل الغلاف الهلامي القديم الذي احتضن كل الأجساد، لكن لا أحد يرغب في العودة إليه، فكل الذين غادروه لا يعودون إليه، لأنه الحاضن الأول بكل أشيائه ومياهه الغريبة التي كان يسبح فيها الجنين، لذا، فالعودة إلى المهبل هي محرمة، ولا يحق لنا النظر، لأن في النظر موتا. ألم يفقأ أوديب عينيه بعد أن نظر إلى فرج الأم؟ ألم يكن مصيره العمى، وكذا كابد العديدون المصير نفسه حين نظروا إلى فروج أمهاتهم؟

حين نتأمل حضور فرج المرأة في كل الثقافات، نجد الشيء الغريب هو أن هذا الحاضن لكل إنسان يصير شيئا مخصيا، فهو الشق الذي يرغب الجميع أن لا يراه، لأن رؤيته تثير الفزع و لأنه ينبغي أن يظل في الكتمان، لذا، حين يخترق الرجل المرأة في غالب الأحيان دون صك العبور، أي ورقة النكاح تبدأ العديد من الأفكار تزور مخيلته حول هذا الفرج الذي دنسه بقضيبه ويرغب أن لا يراه مرة أخرى لأنه وطأه.

وفي الإبداع ككل، نجد العديد من “القبحيات” المعرفية تتسلل وراء جمال اللغة والأسلوب فتمر دون أن تخلق زوبعة. ألا نعشق نزار قباني وشعره ونصنفه بأنه شاعر المرأة في الوقت الذي ينقل شعره العديد من الأفكار الفحولية الرجعية، فهو الذي يرى أن الفم الذي لم نكتشفه أعذب من الفم الذي اكتشفناه، ودون أن ندري نجدنا نستعيد الشعر بالكثير من الاستعذاب الجميل، وفي الآن نفسه، نجدد استقبال العديد من الأفكار التي تبعد الأنوثة عن الإعلان والكلام. ولذا، يأمر الشاعر المرأة بالتمنع، ويأمرها الجمال بنظرة المواربة وألا تطيل النظر أكثر، لأن “الشعر وحي تمنع”، ولأنها كلما أعطت ظهرها إلى الناظر يتلهف أكثر! ولذا أيضا، يسعى العالم بأسره إلى أن يظل هذا الشطر من المؤنث متواريا في الكتمان كي لا يبوح بسره أكثر. وقد قام الكاتب إيف إينسلر قبل سنوات بكتابة عرض مسرحي قام بأدائه نساء يحمل عنوانا مثيرا هو “مناجاة الفرج”، وابتدأ العمل بجملة غريبة، بأن الداخل إلى الفرج مثل الداخل إلى مثلث بورمودا، فلا أحد عاد من هناك ليخبرنا ما الذي حدث!

و قد جاء هذا العمل بعد أن قام بسؤال أكثر من مائتي امرأة حول علاقتها بالفرج، فكان الذهول.. والخوف من الحديث عن هذا الجزء الخفي الذي لا يرى، والذي لا ينبغي أن يرى كما أخبرته إحدى سيدات العمل بأن ليس لديها أي وقت لرؤيته. كان هذا النص المسرحي ينقل عبر أفواه النساء عذاب الفرج واغتصابه وخجله وعدم الرغبة في الحديث عن الشبق والاستثارة والحركات والأصوات الغريبة التي تخبئها النساء خوفا أو خجلا…

يبدو أن الملعب الممنوع من الرؤية هو أيضا الملعب الذي قد تدور فيه بعض مباريات كأس العالم، والملعب الحاضن، قبل ذلك، للإقصائيات. والملعب الذي ينتظره الكل بلهفة متزايدة، ومكر خفي… وكيفما كان شكله الغريب فهو النابض عبر العالم.

الأنوثة في حاجة أيضا إلى أن تتأمل نفسها أكثر، إنها في حاجة إلى إنصات غريب للجسد وتأمل ورؤية لا تفزع وهي تنزع ملابسها وتنظر إلى ثنايا وخبايا هذا الفرج الذي أنجب الإنسانية جمعاء، فكيف يصير منبوذا توجه إليه أسوأ الشتائم واللعائن عبر العالم؟

إنه المثلث المثير والجوهر الأكثر نبضا في هذا العالم، والقارة الرائعة التي لم تكتشف بعد…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى