مقالات كل العرب

الرواية بين التخييل والتسييس

شارك

الرواية بين التخييل والتسييس

 

أ.فتيحة النوحو

نظمت بالمغرب ندوة بعنوان “الرواية والسياسة” تروم تفكيك وتركيب ثنائية التضاد التي ما فتئت المقاربات المختلفة تتباين عن مدى الفصل أو الوصل بين حقلين يتنازعان أحقية الحقيقة.

قيد التصالح

في مداخلته المعنونة بـ “نحو تصالح علم السياسة مع الرواية” تناول عبد الحي مودن

أستاذ باحث في العلوم السياسية بكلية الحقوق بالرباط بديهية العلاقة بين الرواية والسياسة كما تبدو في المستوى الأول، إذ لا يخلو أي نص روائي من مواضيع السياسة بإمتياز: قضايا السلطة والصراع والمقاومة والخداع والسيطرة والخضوع، سواء عندما تعبر عنها شخصيات الرواية، أو تعكسها أحداث تاريخية موثقة أو محتملة تعيشها الشخصيات وتتأثر بها أو تصنعها.  ومن هذه الزاوية تكون الرواية سياسة، سواء أعلن النص عن ذلك بشكل صريح أو ألمح إليه، بل إن درجة “تَسَيُّس” النص أو عدم تَسَيُّسه تترك للقارئ الحرية، في نهاية الأمر، ليربط الرواية المتخيلة بالسياسة وبأحداثها.

وفي المستوى الثاني، ليست المسألة بهذه البداهة.  فالنقد الأدبي، الذي هو حقل محترفي تأويل النصوص الإبداعية، شهد خلافات عميقة حول هذا الموضوع، بين من قرؤوا الرواية كتعبير عن واقع سوسيولوجي، وربطوها بأطروحات حقول العلوم الاجتماعية، وبين الذين رفضوا ما اعتبروه حشراً تعسفياً للسرد الروائي في “الواقع” ودافعوا عن استقلاليته وحصر تأويله في لغته وبنياته.

ويخلص أستاذ مودن انه لم تحظ الرواية، بصفة عامة، باهتمام يذكر من طرف علماء السياسة كمصدر ذي مصداقية تؤهلها لتعتبر مصدر معرفة مشروعة في التحليل الأكاديمي للسياسة.  فنحن لا نصادف في بيبليوغرافيات الكتابات الرائدة في هذا الحقل إحالات على الرواية، كما أن المراجع الأساسية في مناهج البحث في العلوم السياسية لا تذكرها كمصدر للمعرفة السياسية، بل إن هذا الإهمال يصل إلى حد ازدراء الخيال لدى البعض، لأنه لا يقدم أية فائدة معرفية، وإلى الإعلان الصريح من طرفهم عن رفض الفن، الذي تشكل الرواية نموذجاً له، كوسيلة للوصول إلى الحقيقة، التي تشكل المعرفة وجها لها.

مقابل هذا الموقف، هناك من يعتبر، على غرار تشومسكي، أن الخيال، بل الرواية بشكل خاص مصدراً يعلّم الحياة البشرية أكثر مما يُعلّمه علم النفس.  ويتباهى ميلان كونديرا بأن الرواية، وليست العلوم، هي القادرة على أن “تسبر الكائن المنسي”، ذاك الذي نسيته العلوم الحديثة، بما فيها العلوم السياسية طبعا، وأنها تكتشف ما لا يمكن لغيرها أن يكتشفه.

تسريد الدمار

فيما انصبت مداخلة الباحث عبد الرحمن التمارة، الحاملة لعنوان “تسريد الدمار: الربيع العربي في الرواية العربية”، والتي أبرزت أن الرواية العربية لم تبق شأناً وفعلاً إبداعياً بعيداً عن الحراك العربي، بل اقتربت من عوالمه المتنوعة بما يوافق مقتضيات الكتابة الروائية. لهذا، تبدّت الكثير من الروايات العربية مُنشدَّة لقضايا الربيع العربي، ومتّصلة بعوالمه المركّبة والمعقّدة. لذلك، فإن اشتغال الرواية بالسياسة مكّنَ من التقاط قضايا التفكير في الربيع العربي بوصفه ثورة؛ ثورة أنتجها سياق سياسي، وقطعت مساراً بتجليات مختلفة، وانتهت لنتائج تنوسُ بين الإيجابي والسلبي واتخذ الباحث من أحداث رواية “الموت عمل شاق” للروائي السوري خالد خليفة؛ لأنها رواية استطاعت أن تبني متخيلا كاشفاً مظاهر الدمار المختلفة التي خلفتها الصراع السياسي حول السلطة، جراء انفجار ثورات الربيع العربي على امتداد الجغرافيات العربية.

ويشير إلى أن أهمية نتائج الربيع العربي الإيجابية تكمن في جعل الرواية تعبّر بكثير من الحرية، أولاً، عن قضايا “ممنوعات” السياسة في السياق العربي. وثانياً، تعبّر عن القضايا المسكوت عنها، انطلاقاً من تصورات الشباب الذي كشف يقظة كبرى، وطموحات نوعية في مواجهة القهر ومحاربة الاستبداد. وثالثاً، تعبّر عن التحوّل الفعلي الذي مسّ أنظمة السلطة المستبدة؛ بعدما انهارت سلط، أو أُزيحت، وعوضتها سلط أخرى، بنخب سياسية جديدة. بهذا المعنى، فإنّ الرواية العربية قد احتفت بالنتائج الإيجابية للربيع العربي، التي استثمرها الروائيون في بلورة روايات نوعية تبرز مدى التحوّل الخلاّق الذي حملته «الثورات» العربية.

عنصر التنبؤ

فيما جاءت مداخلة الاستاذة مليكة المعطاوي لتطرح  أن أهمية الرواية تكمن احيانا في  استشراف تنبؤات  سياسية  واتخذت من  رواية “عاصفة على الشرق” للكاتب نبيل المحيش

نموذجا حيث يطرح المتن الروائي قضية المثقف والراهن وكيف يستطيع هذا المثقف أن يتنبأ بوقوع أحداث معينة بناءً على معطيات يستمدّها من نظرته للواقع والحياة والأشياء، ويتبلور ذلك من خلال موضوع الرواية الذي يدور حول الصراع الدائر بين أمريكا وإيران حول امتلاك الأسلحة النووية.

وتضيف معطاوي أن الكاتب يكشف من خلال هذه الرواية رؤيته للحروب الدائرة في البلدان العربية ودور أمريكا في إذكائها مستغلة الفقر والجهل والأحقاد التاريخية والصراعات العرقية والخلافات العقائدية من أجل تأجيج الحروب الطائفية لسنوات عديدة تقضي من خلالها على كلّ تقارب ممكن بين هذه الدول، ممّا يسهّل عليها استغلال ثرواتها وتخريب عقول شبابها وإلهائهم عن كل ما يفيد حاضرهم ومستقبلهم من علم ومعرفة وفكر قد يدفع بعجلة تطوّرهم إلى الأمام.

لقد استطاع المؤلف تقديم نص قادر على استقراء المستقبل والتنبؤ بوقائعه في ظل سياقات أحداث متتالية واقعية وتخييلية، وطرح مجموعة من الحلول التي تقود المنطقة إلى بر الأمان لأن التاريخ يشهد على أنه في الحرب لا يجني المتحاربون غير الخسارة.

وتخلص الاستاذة المعطاوي إلى إن رواية “عاصفة على الشرق” تعبّر عن القهر السياسي والتعذيب المادي والمعنوي الذي تعاني منه شعوب منطقة الشرق الأوسط في ظل الحروب منذ بداية الألفية الثالثة، وتوضّح الارتباط الوثيق بين الأدب والسياسة، على أساس أن الأدب هو المتنفّس الوحيد للنقد الاجتماعي والسياسي، وخصوصًا في الدول ذات الأنظمة التي لا تسمح بالنقد المباشر، حيث يظل الأدب أداة من أدوات التغيير السياسي والاجتماعي، ويعبّر عن روح البلد وأزماته وطموحاته إلى غد أفضل.

حكاية سياسية

تناولت مداخلة الاستاذ خاليد مجاد  تشعبات السياسة  في رواية  باغندا لشكري المبخوت

التي تتمحور حول الصحفي عبد الناصر العسلي الذي كتب مقالا، في الجريدة الحكومية التي يشتغل فيها، يتساءل فيه عن أسباب اختفاء باغندا لاعب نادي الاتحاد التونسي لكرة القدم. المقال سيتسبب في أزمة داخلية للجريدة بعد غضب شخصيات نافذة في الدولة، وخصوصاً في قطاع الرياضة. بعد اعتذار الجريدة عن المقال، سيشرع الصحفي عبد الناصر في التقصي بشكل فردي عن حقيقة اختفاء اللاعب، وهو ما سيدخله في أعشاش دبابير السياسة والمال، وسيكشف من خلاله للمتلقي حجم الفساد والتلاعب المتجذر في الدولة التونسية.

تتصارع في هذا العمل أربعة موضوعات أساسية كفواعل سردية مؤثرة في مسار البطل الباحث عن الحقيقة، وهي السياسة والمال والصحافة وكرة القدم. إذا كيف تم توظيف هذه القوى في اللعبة السردية، سواء في تحفيز أو في كبح الذات الفاعلة خلال مسارها السردي.

وتُعرض السياسة في الرواية من خلال تجليات متعددة بدءاً من رصد الطبيعة المستبدة والفاسدة والمتلونة لنظام الحكم في عهد الحبيب بورقيبة (يمنحه السارد لقب “المجاهد الأكبر” سخريةً)، أو نظام زين العابدين بن علي القهري الذي روّض الشعب التونسي، ومكّن أبناء الخونة وعملاء الاستعمار والفاسدين من التغلغل في دواليب الحكم، وهمّش الوطنيين، وجعل من وزارة الداخلية الحاكم الفعلي للبلاد وصندوقها الأسود.

كما تَعرِض الرواية مجموعة من الممارسات السياسية المنحطة من قبيل انتشار الارتشاء والسطو على المال العام في صفوف الوزراء وكبار المسؤولين. علاوة على تكريس النظام السياسي لظواهر التزلّف والوصولية بغية الظفر بالمناصب السياسية السامية. وكذلك تحول الأحزاب السياسية إلى قبائل لا هم لها سوى البحث عن مصالح أفراد العشيرة. يبرز في الاتجاه نفسه، داخل هذا العمل، دور النظام السياسي في استغلال لعبة كرة القدم لإلهاء وتخدير الفئات الشعبية، وجعل هذه اللعبة الشعبية أفيوناً وديناً جديداً يدعم استمراريته.

ويشير أستاذ خاليد كون المتن يظهر في معظم الرواية وكأن الأصل هو المال، وأن السياسة مجرد تابع له، حيث يصرّح عبد الناصر قائلاً في الصفحة 207 من الرواية: “لا يستغربن أحد أن يكون المال وراء تفسير كل ما يجري في البلاد… ابحث عن المال تجد الجواب.”                 

المحكي السياسي

“تقاطع مسارات التاريخ وفن الرسم والسياسة في رواية “حبس قارة” لسعيد بنسعيد العلوي  كانت محور مداخلة أستاذ أحمد بوحسن الباحث في الدراسات النقدية المعاصرة والتي تدور حول رغبة السارد، عبد الجبار، في إنجاز بحث تاريخي في نهاية تخرجه في سلك الإجازة من شعبة التاريخ بكلية الآداب بالرباط في سبعينيات القرن العشرين. وكان مشروع بحثه يدور حول “الأسرى الأوروبيين في حبس قارة في عهد السلطان مولاي اسماعيل”؛ فحاول جمع مادة بحثه، وما يتصل بها من المخطوطات والوثائق والكتابات التاريخية. ولكن وفاة والد السارد، مولاي البشير، في أواخر السنة الجامعية، وفي موسم الامتحانات، تأجل البحث عندما عاد السارد إلى دار أهله بمكناس لحضور مراسم العزاء.  ومن غرفة والد السارد ينطلق السرد من اللوحات المعلقة على جدران غرفة الوالد، إلى جانب أشياء أخرى، وبخاصة لوحة السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام ممتطياً جواده الأدهم أمام قصره بحاضرة ملكه مكناس، وهو يستقبل بعثة ملك فرنسا لويس فيليب (1773- 1850) في مهمة دبلوماسية وسياسية سنة 1832. وهي من اللوحات المشهورة للرسام الفرنسي أوجين دولاكروا (1798- 1863)، التي خلد بها تلك الزيارة.  وتكون هده اللوحة، بشكل خاص، مع لوحات أخرى للسلطان مولاي اسماعيل وغيرها، مدعاة لحكاية أخرى موازية للأولى، هي حكاية الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا، والبعثة الفرنسية التي يوجد ضمنها مع رئيس البعثة الكونت دومورناي وبعض الأعضاء الآخرين.

وركز استاذ بوحسن على المحكي السياسي في الرواية هو المرتبط تحديداً بجانب من مفهوم السياسية المتعلق بالعلاقات الدولية؛ علاقة دولة فرنسا بدولة المغرب في مرحلة من تاريخ

فرنسا السياسي الاستعماري، فترة سنواتها الأولى لاحتلالها للجزائر (1830-1832) وبخاصة سنة 1832، وعلاقة المغرب بالجزائر، وبخاصة الغرب الجزائري، منطقة وهران وتلمسان، وما كان يعرف أثناء الحكم التركي بـ”بيلك وهران”، الذي يقع في “بيلك الغرب”2.  وعلاقة السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام بالأمير عبد القادر الجزائري في مراحله الأولى لمواجهته للاستعمار الفرنسي. واستنجاد قبائل الغرب الجزائري بالسلطان مولاي عبد الرحمان ومبايعتهم له لحمايتهم والدفاع عنهم ضد الاحتلال الفرنسي.

وطرح استاذ بوحسن سؤال: كيف تعاملت الرواية مع هذا الحدث السياسي؟

يمكن تبين البعد السياسي في الرواية داخل المحكي الرحلي لدولاكروا الذي كان عضواً في بعثة دومورناي الفرنسية الى السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام. وفي اللوحة الفنية التي رسمها دولاكروا للسلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام.

وأضاف في تناوله لهذه النقطة في رواية حبس قارة أن البعثة الفرنسية كانت قد جاءت في مهمة دبلوماسية وسياسية تتمثل في طلب فرنسا من السلطان المغربي عدم التدخل فيما تقوم به في الجزائر، وتطلب من السلطان أن يبقى على الحياد.  ولكن البعثة بقيت خمسة أسابيع في طنجة تنتظر إذن السلطان لها بالقدوم إلى مكناس لمقابلته. وتشير الرواية إلى أسباب ذلك التأخير، وتضارب الآراء حول ذلك. يقول السارد: “كان الناس يتنافسون في توهم الأسباب التي استوجبت تأخر البريد بخبر إيجابي، غير أن الآراء المتضاربة، لم تكن في العمق، تخرج عن فكرتين؛ فكرة تقضي بأنه لا داعي لتحميل الأشياء أكثر  مما في إمكانها احتماله، في حين أن سبب التأخر  في التوصل بالإذن في السفر يرجع إلى كون السفارة الفرنسية قد تزامنت – لسوء تقدير من قبل وزارة الخارجية في باريس – مع مقدم شهر رمضان، وشهر رمضان في المغرب، يجعل من غير المقبول، ان يكون هناك مكان أو  استقبال لغير المسلمين، وهذا ما يتهامس به دعاة هذا الرأي الأول. أما الفكرة الثانية، فهي تعزو التأخر في تلقي الإذن بالذهاب إلى مكناس لأسباب بعيدة عديدة معاً؛ منها أن الحاضرة السلطانية تعرف في هذه الأيام وجود وفود قدمت من تلمسان وبجاية وغيرها، وحيث إن لتلك الوفود صلات مباشرة ما بما يحدث في الجزائر منذ أن تم احتلال مدينة الجزائر من قبل القوات الفرنسية، بعد أن أحكمت سيطرتها على مدينة وهران، فإنه من غير الجائز، دبلوماسياً أن تلتقي السفارة الفرنسية مع أحد تلك الوفود الجزائرية، والذين يتهامسون بأن ملك فرنسا يتوخى من خلال السفارة التي بعث بها إلى السلطان المغربي، استرداد قطع بحرية ثلاث أغار عليها المحاربون الجزائريون وهربوا بها إلى المرافئ المغربية – فضلاً عن دواع أخرى، ليس أقلها أهمية ضمان حياد سلطان المغرب في حرب فرنسا مع الثائر الجزائري الأمير عبد القادر”. (الرواية، ص، 155- 156).

 

 

الندوة اقامتها مجلة “رباط الكتب” بالتعاون مع مركز تواصل الثقافات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى