مقالات الموقع الالكتروني

 ما المطلوب والخراب الاسرائيلي الثالث يقع؟

شارك

ما المطلوب والخراب الاسرائيلي الثالث يقع ؟

القسم الأول

أ. صلاح المختار

على عكس اغلب التوقعات المتشائمة التي روجت عمدا منذ غزو العراق و(اكدت زوال امة العرب) فان ماجرى في فلسطين مؤخرا من نصر ستراتيجي عظيم للعرب كلهم هو تكملة عضوية للانقلاب الستراتيجي الذي بدأت تباشيره  في العراق ولبنان عندما انتفضت الجماهير العربية فيهما ضد الغزو الايراني الغاشم في نهاية عام 2019 واكد بان الشيعة العرب في القطرين مع امتهما العربية وضد الغزو الايراني، وذلك التطور النوعي كان زلزالا مدمرا للمخطط الايراني الاستعماري، فكيف وقع ذلك واسقط توقعات اغلب الخبراء في العالم والتي اكدت بان العرب امة انتهت وستدفن قريبا؟ وكيف نجعل النصر العراقي والفلسطيني يتواصل بالاتجاه الصحيح وهو تهديم ما بقي للاسرائيليتين الغربية والشرقية من مواطئ اقدام في الوطن العربي؟ وكيف نحبط الخطط الغربية والصهيونية التي اخذت تسابق الزمن لمنع تواصل الخراب الاسرائيلي والفارسي الثالث والحاسم وانقاذ الاسرائيليتين ؟ سنلخص الوضع بملاحظات جوهرية :

1-الان نشهد بداية الخراب الاسرائيلي الثالث الفعلية بعد الانتفاضة الفلسطينية فقد ثبت للمستعمرين الصهاينة ان وجودهم في فلسطين انتحار جماعي لكنه مقسط ويجري خطوة بعد اخرى وبالتراكم ، اما بعد الانتفاضة في كل فلسطين فانه سيصبح اكثر سرعة، فكلما زاد بقاء الصهاينة في فلسطين سنرى كوارث اكثر واخطر تصيبهم لانهم، وكما رأينا، ليس لديهم حتى الحد الادنى من المعنويات وهي صانعة النصر في النهاية وليس السلاح، فاليد التي تحمل السلاح حالما ترتجف فرقا فان صاحب الحقوق يحيدها وينتصر عليها حتما . لقد شاهدنا وسمعنا صراخ العسكريين الصهاينة قبل الاطفال والنساء وشاهدنا تبولهم رعبا من مجرد سماع صفارات الانذار، والسبب هو انهم يعيشون في حالة سقوط نظرية الامن الاسرائيلي للمرة الثانية الان والتي كانت تضمن لهم ابعاد الحرب عن فلسطين المحتلة وجعلها تدور فقط خارجها ،وبذلك يمنع تعرضهم للخطر المباشر للحروب ويخفي الخلل البنيوي في تركيبة المستعمرين وهو انعدام المعنويات.كانت صواريخ العراق في عام 1991 اول ضربة هزت بقوة نظرية الامن الاسرائيلي لانها نبهت الى اهميتها في الحاق الهزيمة بأسرائيل الغربية،عندما نقل صدام الشهيد الحرب الى داخل فلسطين المحتلة فسقطت صواريخ العراق العظيم ( 43 صاروخا) فوق المستعمرات وخطت الخطوة الاولى في انهاء فترة خوض كافة الحروب في خارج فلسطين، وكان ذلك هو احد اهم الاسباب وراء غزو العراق وتدميره لانه قدم الدليل على امكانية تحرير فلسطين كلها بما لدينا من قوى دون الحاجة لاكثر منها،والانتفاضة الاخيرة اكدت ان الحروب القادمة ستكون مسارحها في فلسطين ووسط المستعمرات الصهيونية وليس في مصر وسوريا ولبنان والعراق واليمن وليبيا فقط ، وهكذا ينتهي عصر الامان الاسرائيلي ويبدأ عصر الرعب المميت وهو ما يقدح نيران الخراب الثالث ويجعل الحريق شاملا للسهل والاهوار والجبال كلها.

ان اهم حقائق ما بعد الحرب الاخيرة في  الصراع العربي الصهيوني حقيقة هي الاخطر والتي تؤكد بان اسرائيل الغربية لم تعد كما كانت قبلها ولن تعود ابدا مهما فعلت امريكا والصهيونية العالمية، فسنام القوة الصهيونية وهو (القبة الحديدية) التي كانت تهدد بها العرب كلهم ثبت انها حديدية فعلا ،مثلما تم تحييد القوة الفائضة لسلاح الجو، فتغلبت صواريخ المقاومة الفلسطينية رغم بساطتها ومحلية صنعها بعد مساعدة فنية مصرية وعراقية من ضباط الجيش الوطني الذي حلته امريكا ،وهو ما اكدته مصدار فلسطينية علنا. ومن الضروري الانتباه الى  ان اسرائيل الشرقية تعمدت وهي تقدم الصواريخ لحماس والجهاد الاسلامي ان تكون لخدمة المخطط الايراني الاستعماري التوسعي وليس لخدمة فلسطين ،فهي لذلك كانت محدودة وبسيطة ولم تقدم لهما ما قدمته للحوثي في اليمن من صواريخ بالستية ومسيرات متطورة جدا، والسبب هو الرابط الستراتيجي بين الاسرائيليتين فكلاهما لاتريد للاخرى النهاية الكاملة بل تقييد توسعها على حساب الاخرى وكلاهما تعرفان انهما مرشحتان لدور اقليمي في النظام الشرق اوسطي لذلك فان تزويد المقاومة الفلسطينية بصواريخ او مسيرات متقدمة كتلك التي زودت بها الحوثي ممنوع في فلسطين .

2-لماذا هزمت اسرائيل الغربية؟ بعد سنوات التراجع منذ عام 2014 عندما اطلقت مخابرات امريكا داعش،تلك الكتيبة المتنقلة المشكلة بعمل مشترك اصبح واضحا الان من ضباط مخابرات تابعين للموساد والمخابرات الامريكية والبريطانية لتدمير المقاومة الوطنية العراقية ، شهد العالم شعب العراق يقدم اكثر من الف شهيد فقط اثناء انتفاضة تشرين عام 2019 ،كما شهد لبنان انتفاضة كل اللبنانيين ضد حزب الله واسرائيل الشرقية وكان لشيعة العراق ولبنان دورا اساسيا في الانتفاضتين، وكانت تلك رسائل واضحة لكافة العرب بان حالة الانهيار والتراجع اخذت تنحسر وان الشعب العربي شعب واحد بغض النظر عن ديانته وطوائفه واثنياته ،وتحل روح النصر والاصرار على تحرير العراق ولبنان من الغزو الايراني،وتلك هي  بداية نهوض قومي عربي شامل .

والنهوض العربي اقترن بظاهرة اخرى لم تكن متوقعة وهي تغير مواقف بعض الانظمة العربية بصورة اربكت مسار الاحداث المرسوم نتيجة لانكشاف حقيقة ان امريكا والصهيونية تعملان حتى ضد الانظمة التي كانت رائدة في التطبيع مع اسرائيل الغربية والاعتراف بها ونعني بذلك النظامين في مصر والاردن، فرغم ان مصر والاردن كانتا اول المطبعين وخسرتا الكثير بعد التطبيع ولكن المكافأة الامريكية والصهيونية لهما  كانت الغدر الشامل بهما بالبدء بتطبيق مشروع شارون او الوطن البديل والذي يقوم على تدمير الكيان الوطني الاردني واقامة دويلة فلسطينية في الاردن، اما مصر فقد تعرضت لما اجبر نظامها على اعادة النظر ليس بعلاقته بتل ابيب فقط بل بأمريكا ايضا مضطرا بعد ان اخذت اثيوبيا تنفذ مشروعها الذي يضع مصر والسودان امام خيار مرعب وهو تجفيف مياه النيل وذلك يؤدي الى موت مصر والسودان وتحولهما الى قرى بدائية متناثرة ، وما كان ذلك ممكنا ان يحدث ابدا الا بالتحريض والتحريك الصهيوني والامريكي . لقد جاء دور مصر والسودان والسعودية في اكمال التقسيم والشرذمة والتعرض لكوارث لاتختلف عن كوارث العراق وسوريا واليمن وليبيا، وتلك حقيقة تغلغلت في نفوس قادة تلك الاقطار .

وحاولت الاردن اقناع امريكا بالتخلي عن الوطن البديل لكن ادارة ترامب اصرت وباشرت بالاعداد لاسقاط نظام الملك عبدالله الثاني ، فلم يترك له من خيار الا الاعتراض لان الامر يتعلق بالموت والحياة. هنا نلاحظ وفي كلا الحالتين المصرية والاردنية ان مهندس الخراب المقرر لمصر والاردن هو الصهيونية وامريكا، فالصهيونية لاتعرف صديقا بل تعرف فقط ان لها اهدافا يجب ان تنفذ بالكامل حتى وان دمرت من دعمها وتعاون معها، وامريكا تسحق حليفها عندما تبدا خطوة اخرى تشمله .

قررت مصر الرد على اثيوبيا ولكن في فلسطين وليس بخيار الحرب معها لان الحرب لها نتائج مضرة بالعرب اكثر من فائدتها والحرب العربية الاثيوبية هدف ستراتيجي صهيوني امريكي لاكمال خنق العرب بنظرية كسب الاطراف او شدها،وكان خيار الضغط في فلسطين هو الرد الستراتيجي الاشد ذكاء على اثيوبيا وامريكا والصهاينة معا، فأخذت تدعم غزة ورام الله وتعزيز قوتهما للتصدي للخطوات الصهيونية ، وكلما كانت اثيوبيا تواصل اصرارها على اكمال سد النهضة بدون اتفاقية ملزمة كانت مصر تزيد دعمها لفلسطين بتقديم الخبرات التكنولوجية وتصنيع السلاح فكسرت القاهرة حاجز طهران في تسليح المقاومة الفلسطينية بسلاح بسيط ومكنتها من تجاوز الحدود التي وضعتها طهران بصناعة الصواريخ والمسيرات.وكان الاردن له مصلحة ايضا في ردع اسرائيل الغربية مثلما كان للسعودية مصلحة في الرد على محاولة اذلالها من قبل امريكا والصهيونية باجبارها على الاعتراف الرسمي والصريح باسرائيل الغربية والتطبيع معها رغم انها اذا فعلت ذلك ستقدم لاسرائيل الشرقية وغيرها كل المبررات التي تعزز عدوانها على السعودية وتبدأ بتدميرها من الداخل وستجد فيها من يواليها كما وجدت في العراق نغولا مهدوا لها غزو العراق.

اما العامل الاخر المهم جدا فهو تزايد تراجع دور امريكا العالمي وعجزها عن مواصلة دعم اسرائيل الغربية كما كان اصلا ، فليس اشد وضوحا من الموقف الامريكي غير المتحمس لخطوات نتنياهو في توقيته وحجمه ،خصوصا وانه يهدد بفقدان امريكا لقوى اقليمية تحتاج اليها في صراعها المصيري مع الصين مثل العرب وتركيا واسرائيل الشرقية، لذلك رأينا ادارة الرئيس بايدن ورغم انه كان قبل سنوات يجاهر بانه (صهيوني وان كان مسيحيا)، ويؤكد بانه (لو لم توجد اسرائيل لكان على امريكا خلقها) ، فانه واجه خيارات مرة :فاما ان يحجم اسرائيل الغربية ويضغط عليها لاجل ان لاتكون احد اهم عوامل خسارتها للصراع مع الصين بفقدان الترك والايرانيين والعرب وهم اطراف النظام الاقليمي القادم ،واما ان تحجم اسرائيل الغربية وتخضعها لضوابط تهدأ مخاوف الاطراف الاقليمية، فرأينا بايدن يضغط على نتنياهو كي يفرمل سرعته ويقبل بحل وسط مع الشعب الفلسطيني ، وتعود امريكا لحل الدولتين .

3- في الداخل الفلسطيني توحدت الارادة ضد التحزب وانطلق شعبنا هناك صوتا واحدا وارادة من النهر الى البحر يقدم الدماء والارواح من اجل العودة للميثاق الوطني الفلسطيني الاصلي وقبل الغدر به ، وشعرت كافة الاطراف الحزبية بان الجماهير تجاوزتها وان عليها اعادة النظر في خياراتها التحزبية فكان الموقف الصحيح هو تبني خيارا لابد منه لانقاذ فلسطين وهو تأكيد ان علاقة فلسطين بامتها العربية هي الهدف الاول والاهم ، وقبل اي علاقة اخرى بمافي ذلك مع طهران وهو ما ظهر في خطاب اسماعيل هنية اليوم ، وبناء عليه رأينا مصر تقدم لفلسطين نصف مليار دولار من قوت شعبها الذي فيه جوعى بالملايين ناهيك عن الاف الاطنان من الدواء والغذاء والمساعدات الانسانية والطبية والخدمات التكنولوجية العسكرية، وكل تلك الخطوات اتخذت بعد ان ادركت القيادة المصرية انها اما ان ترد على امريكا واسرائيل الغربية معا بتدخلها المباشر في فلسطين لصالح شعب فلسطين واما ان تتعرض لنفس ماتعرض له العراق وسوريا واليمن وليبيا من كوارث، فكارثة النيل ان جففته اثيوبيا ستكون الطريقة الخاصة بتدمير مصر.الان نشهد تراجع الدور الايراني في فلسطين وتعاظم الدور المصري فيه وتلك حالة ايجابية في زمن الكوارث التي تحدد الخيارات المتاحة وهي تنطوي على احتمالات ايجابية لنا بشروط سنذكرها.

4- لايمكن الا ان نرى ان موقف اسرائيل الشرقية مما جرى وهو الخوف من التدخل المصري المباشر ومن مؤشراته اضافة لتقديم تكنولوجيا عسكرية للمقاومة الفلسطينية، منع حزب الله الجماهير الفلسطينية في لبنان من تنفيذ خطة فلسطينية عامة لو نفذت لزادت في خنق اسرائيل الغربية حيث كان يجب تنظيم احتشادات فلسطينية سلمية على الحدود اللبنانية الفلسطينية لكن حزب الله منعها باصرار فخفف الضغط على الصهاينة، ناهيك عن عدم تنفيذ وعود نصرالله بخوض الحرب اذ تعرضت غزة للعدوان .

ولو ان المقاومة الفلسطينية امتلكت صواريخ بالستية ومسيرات مثل التي زود بها الحوثي فان اسرائيل الغربية ستشل تماما وترفع الراية البيضاء وتعيد النظر بكل سياساتها لان عدم قيامها بذلك سيكون الفاجعة الاخطر منذ قيام الكيان الاستعماري في فلسطين. اسرائيل الشرقية لم تقدم الاسلحة المتطورة للمقاومة الفلسطينية بل قدمت لها ما يكفي للضغط على تل ابيب مع الاصرار الايراني التام على جعل دعمها عبارة عن  رشا لتنظيمات فلسطينية كي تصمت او تدعم غزواتها للعراق وغيره بل وتنتظر من خونة فلسطين تمجيد المجرم قاسم سليماني واعتباره (شهيد القدس)!

في ضوء ما تقدم ما المطلوب من القوى الوطنية العربية كافة ومن الانظمة العربية ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى