مقالات الموقع الالكتروني

الخراب الصهيو – فارسي الثالث

شارك

                                                                   الخراب الصهيو – فارسي الثالث
صلاح المختار

اخطر واسوأ اشكال الاستعمار هو الاستعمار السكاني واخطر اشكاله هو الذي يعتمد على ابناء جلدتك، فبخلاف الاستعمار التقليدي وهو الاحتلال العسكري المعتمد على جنود الاحتلال في مواجهة مقاومة الشعب، والمثل هو الغزو الامريكي والبريطاني، فان الاحتلال السكاني يقوم على جلب سكان من الخارج وتوطينهم والاعتماد عليهم في بقاء الاحتلال لان القوة المسلحة وحدها لاتكفي، والمثل هو الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وهذا النوع من الاحتلال اصعب على مقاوميه من الاحتلال العسكري ولكنه ابسط واقل ضررا ووحشية من الاحتلال المعتمد على جزء من سكان البلد الاصليين والذين يرتبطون بقوات الاحتلال بعلاقات عرقية او دينية او طائفية، والمثل هو الاحتلال الايراني للعراق واليمن وسوريا ولبنان وغيره ،والذي يعتمد اساسا على احزاب وميليشيات تضم عربا ،تقودهم مجموعات ايرانية،وفي الحالة الاخيرة فان من يدافع عن الاحتلال هم جزء من الشعب وليس مستوطنين مجلوبين من الخارج فقط، كما في حالة فلسطين، وهنا نرى الخطر الشديد الذي يجلبه الاحتلال المعتمد على جزء من الشعب الاصلي على هوية الدولة والشعب والمجتمع، ولذلك لم تكن هبة عاطفية بل حسابات ستراتيجية واضحة لاعتبار الغزو الفارسي للعراق وبقية الاقطار العربية الخطر الاكبر والاشد ضررا وتهديدا للهوية القومية للعرب كلهم.
ان نضالات الشعوب ضد الاستمعار الكلاسيكي ( العسكري ) اسهل ويتميز بالقدرة غالبا على طرد الاحتلال نتيجة عزلة قواته عن الشعب ووجود حصانة قوية ضده فالشعب بغاليته الساحقة يدعم الثوار والامثلة عديدة منها نضالات العالم الثالث التي تكللت بالنصر وهزيمة الاستعمار التقليدي .وفي حالتنا فان الغزو السكاني في فلسطين يقدم لنا صورة عن مخاطره ونوعيتها فهنا لا نواجه جيشا محتلا فقط بل نحن امام سكان اجانب،وهؤلاء يقمعون بقسوة الشعب صاحب الارض،اضافة الى وجود جيش احتلال قوي جدا،ورغم تلك القسوة فاننا  نرى الغزاة الصهاينة في فلسطين يتحملون شتائم ابناء فلسطين وجدلهم معهم ولا يردون عليهم بالرصاص – الا في حالات معينة – بعكس الغزو الفارسي للعراق اذ رأينا الوحشية المتطرفة في الموصل والانبار وكل العراق وتوجد عدة افلام توثق ظاهرة غير مسبوقة وهي سحق الاطفال تحت عجلات الدبابات بلا رحمة.فالغزو الفارسي مثال لبشاعة متطرفة تفوق البشاعة الصهيونية بمراحل.
هل انهارت قاعدة القوة ومصدرها لكلا المشروعين الصهيوني والفارسي؟ الجواب نعم فليس صعبا ملاحظة ان القاعدة الاستنادية للمشروعين قد انهارت، ان مفتاح التوسع الاستعماري الفارسي هو العراق والسيطرة التامة عليه، وبما ان شعب العراق بكافة ابناءه شيعة وسنة واكراد مسيحيين وصابئة وغيرهم تعرضوا لصنع بحيرات الدم والعذاب منهم فانه انتفض بكامله ونسف قاعدة الاستناد الاهم – او كما سميت الحاضنة الشيعية – للاستعمار الفارسي ولذلك فالتحول نحو العنف المفتوح ضد شيعة العراق بالاعتماد على ميليشيات ما هو الا البيان رقم واحد لاسقاط المشروع الفارسي الاستعماري.
اما في فلسطين فان قاعدة الاستناد للتوسع الصهيوني هي المستوطنين المستوردين من مختلف بقاع الارض وكانت حساباتهم عندما اغتصبوا ارض فلسطين تقوم على فكرتين :فكرة ان الغرب الاستعماري هو ضامن بقاءهم، والثاني هو اعتقادهم بان الدعاية الصهيونية التي عظمت قوة الجيش الصهيوني وقدرات اسرائيل الغربية التكنولوجية توفر تفوقا مطلقا على العرب وبضمانات غربية وشرقية. كما ان ما سمي ب(نظرية الامن الاسرائيلي) تتضمن هدفا جوهريا وهو منع وقوع الحرب في ارض فلسطين المحتلة وخوضها كلها في ارض العرب الاخرين لان وقوع الحرب في فلسطين سوف يهدم عامل الاستقرار والامن للمستوطنين وهو ما سيجبرهم على الهجرة المضادة الى بلدانهم الاصلية، وعندما اطلق العراق 43 صاروخا ستراتيجيا في عام 1991 كانت الصدمة الاولى للمستوطنين الصهاينة وهي وقوع الحرب داخل فلسطين المحتلة وتعرض المستعمرات للخراب مثلما يتعرض العرب له، فهزت ثقتهم بضمانات نظرية الامن الاسرائيلية والغرب معا. فالقصف العراقي، وبغض النظر عن حجمه،كان كافيا بنتائجه ودلالاته لهز وتدمير اهم الاسس التي قامت عليها اسرائيل الغربية وهو التأكيد المتكرر على ان اسرائيل في حماية تامة.
وبعد انتفاضة القدس الحالية التي تحولت الى انتفاضة كل فلسطين من النهر الى البحر وما نتج عنها من نهوض تحرري عربي وعالمي تجسد في تظاهرات عالمية ضخمة في الدول الاكثر تأثيرا في العالم اعادت فيها مليارات البشر التأكيد على ان المستعمر ومهما طال استعماره سوف يواجه برفض عالمي ،فقد عزلت اسرائيل الغربية عزلة تامة عربيا وعالميا لدرجة اجبرت حتى امريكا على عدم تقديم دعم مفتوح لها كما كان الحال في العدوانات السابقة على غزة وغيرها، لقد تظاهر الرئيس الامريكي جو بايدن بانه يريد منع تعرض المدنيين من الطرفين للخطر وان الادارة الامريكية تضغط على نتنياهو لايقاف الحرب الشاملة على غزة ، وتلك البيانات تؤكد ان امريكا لا تستطيع التمادي كما كانت في السابق في تقديم دعم مفتوح لاسرائيل الغربية خصوصا وانها تتداعى وتتراجع امام الزحف الصيني الشامل والذي لايمكن رده والتعاظم الروسي، الامر الذي يكشف ان المكان الذي تقف عليه اسرائيل الغربية الان هو زاوية خانقة تحتها الغام قاتلة اذا بقيت فيها لفترة طويلة فسوف تنهار حتما من الداخل وبلا حروب والانتفاضة الفلسطينية تمهد حتما ل(الخراب الاسرائيلي الثالث) والذي يبدو اكثر وضوحا وقربا مما كنا نتوقعه في اخر ما كتبناه وهو دراستنا في تموز من عام 2020 –المرفقة مع هذا المقال .
و(الخراب الاسرائيلي الثالث)تعبير استخدمه قادة اسرائيليون في الفترة القصيرة الماضية للتعبير عن قناعتهم بفشل المشروع الصهيوني في فلسطين،فقد وضعت الانتفاضة الفلسطينية الحالية الكيان الصهيوني امام تحد غير مسبوق اعاد بقوة وبصورة اوسع طرح هاجس (الخراب الثالث) ،وكتب المزيد منهم الان عن ان (الحياة لم تعد تحتمل في بلد يقوم على الاغتصاب من شعب كنا نراهن على استسلامه لكنه اثبت انه لايستسلم وان ارادته جبارة ولا تلين لذلك لم يبق امامنا من خيار سوى الهجرة والعودة الى اوطاننا الاصلية)، واحد من كتبوا بروح الهزيمة التامة  مجددا هو آري شبيت وعنوان مقااله (اسرائيل تلفظ انفاسها الاخيرة) صحيفة هآرتس العبرية التاريخ : 2/3/2021.
لقد كان الصمود العراقي الاسطوري بوجه الغزوين الامريكي والفارسي،بمقاومته المسلحة التي هزمت امريكا عسكريا وبعزله للغزو الفارسي، هو الذي هدم اسس المشروعين الامريكي والفارسي  والذي تجلى في عمليات المقاومة العراقية المسلحة اولا في وسط وشمال العراق واقل منها في جنوبه بين عامي 2003 و2014 ثم اكمل بانطلاق مقاومة ابناء الجنوب السلمية المتعددة المراحل والتي توجت بانتفاضة تشرين عام 2019 المباركة والتي تتصاعد الان من اجل تحرير العراق من الغزو الفارسي، اما الصمود الفلسطيني فهو الذي فتت قوة الكيان الصهيوني ودمر قناعة المستوطنين بوجود مستقبل لهم في فلسطين فرغم كل القهر الذي مارسته الصهيونية العالمية وكبار العالم وبمشاركة انظمة عربية فقد انتصر الدم الفلسطيني على السيف الصهيوني وتقوضت القبة الحديدية والتي ارادت بها الصهيونية تأبيد غزو فلسطين امام رسوخ قبة الصخرة وقباب العز المقدسية كلها التي كانت ومازالت اقوى بمراحل فوفرت لشعبنا الفلسطيني العظيم المدد الذي لاينضب ومكنته بعون الله وتضحيات الفلسطينيين ودعم احرار العرب والعالم من الصمود وكشف العورات التي كان الكيان الصهيوني يخفيها، فبدأت بيارق النصر الفلسطيني تتقدم جنبا الى جنب مع تقدم بيارق النصر العربي الحاسم في العراق والاحواز واليمن وليبيا ولبنان على غزو الفرس والصهاينة والامريكيين وكافة احتياطياتهم.
لذلك فنحن الان بأزاء الانهيار الثالث لكلا المشروعين التوأمين المعاديين للامة العربية المتصلين بحبل سري واضح:المشروع القومي الفارسي الذي هدمه صمود شعب العراق من جنوبه الى شماله بجعل الغزو الايراني للعراق غزو مليشيات فقط بعد ان كان غزو (حاضنة شعبية) وهذه الميليشيات معزولة عن الشعب خصوصا عن الوسط الشيعي العراقي الذي يقاتل الان من اجل طرد اسرائيل الشرقية،اما المشروع الصهيوني فانه يحتضر ايضا بعد ان فقد قاعدة ومصدر قوته الداخلية وهي ثقة المستوطنين بقوة اسرائيل الغربية وبدعم العالم لها، فالانهيار الثالث للمشروعين الصهيوني والفارسي هو نتاج مقاومة الشعب العربي وليس الاستسلام مما سيجعله قريبا دويا يهدم كل ما بنته الصهيونية الغرب معها.
ومن نتائج الصمود الشعبي العراقي والفلسطيني والاحوازي والسوري واليمني واللبناني امام تسوناميات الاعداء اسقاط نظرية اخرى روجتها امريكا والصهيونية والفرس وهي (موت الشعب العربي ونهاية الحلم القومي العربي) وبالتالي فان المشاريع الاستعمارية كافة تنجح والعرب يبادون ويمحون ومن بقي منهم منبطح ، الرد المزلزل جاء على يد الانتفاضة التشرينية في العراق وفلسطين ونهوض العرب الان وكأنهم لم يتعرضوا لاخطر عمليات غسل الادمغة طوال عقود وتعرضهم للتجويع والموت والعذاب ومع ذلك نرى الجيل الجديد من الشباب ينهض بقوة لاسابق لها ضد محو عوربتنا ومن اجل مستقبلنا كعرب،لقد اسقط الشباب هذه النظرية فعزلت اسرائيل الشرقية في العراق ونغولها في جيتو فارسي وكذلك الجيتو اليهودي الذي يجد نفسه محاصرا بنفسية الانهيار المعنوي الشامل للمستوطنين،والقاعدة الاساسية التي تقرر مستقبل الصراع تؤكد بانه حالما يحاصر المستمعر في جيتو فانه يصبح امام انهيار حتمي مهما طال الزمن.
ولان الخراب الثالث للمشروعين الصهيوني والفارسي ماثل امامنا الان فاننا يجب ان نذكّر بما سجل في التاريخ : الانهيار الاول للمشروع الصهيوني كان عندما قام اجدادنا العراقيون بعد قيام الغزاة اليهود بأحتلال جزء من فلسطين بعد قدومهم من مصر ، فتم أسر يهود مملكة يهوذا على يد قادة العراق ؛ منها مرة في عام 597 ق.م. والمرة الثانية في عام 586 ق.م. والان نرى مقدمات الخراب الاسرائيلي الثالث الاخير والذي سيدفن الى الابد المشروع الصهيوني ويدفن معه كل الاساطير التلمودية. اما الخراب الفارسي الثالث فنراه الان في عزلة اسرائيل الشرقية ونغولها العرب في جيتوات فارسية ميليشياوية مسلحة بعد انتفض شيعة العرب ضد مضلليهم واختاروا تحرير قطرهم من الغزو الفارسي، وهو يأتي بعد الخرابين الاول وهو الفتح العربي الاسلامي لبلاد فارس واسقاط الامبراطورية الفارسية، وتلك كانت القادسية الاولى، والخراب الثاني  كان في القادسية الثانية، قادسية صدام المجيدة، والتي هزمت مشروع الفرس المتستر تحت غطاء طائفي، والان تتصاعد رايات القادسية الثالثة في العراق لتحرير العراق من الغزو الفارسي وتنهزم اسرائيل الشرقية امام الارادة الحديدية لشعب العراق العظيم.
نحن الان في مرحلة نهوض شعبي عربي عارم ضد كافة اشكال الغزو والجماهير بملايينها من موريتانيا حتى اليمن اكتشفت حقائق المخطط العالمي التدميري لامتنا، ولذلك فان تقدم الحركة الوطنية العربية هو سمة الحاضر وقوة المستقبل مقابل ذلك محاصرة الصهاينة والفرس في زاوية الخنق الحتمي وانتظارهم الموت المحقق لمشاريعهما الاستعمارية .
المجد للمقاومة وشهداءها بكافة اشكالها خصوصا تاجها وسنامها المقاومة المسلحة لكافة اشكال الغزو .
الغد لنا والنصر هو خيارنا ولا خيار الا النصر . لا تراجع الى امام والى امام فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى