كل الثقافة

الممر..

شارك

الممر

أ. إيمان الشافعي

وجوه ستة قبالتي تسكن المعرفة في كل وجه منها و بالرغم من هذا شرعوا في إخفائها!
سيماء التكتم كامنة في كل تلك الوجوه، شفاه مغلقة، عيون تغلقها الظلال، أقدام تهتز بسرعة، أيادٍ ثابتة في رقاد و كل واحدا منهم يفعل شيئاً من شأنه إفساد معرفته.
أحدهم شرع في التدخين، آخر زرع الأرض ذهاباً و إياباً يرسل دعوات عدة على الجميع، ثالث يحدق في ماكينة عبور الممر ورابع يتحدث في هاتفه النقال مندداً بما يمكن أن يفعل لو طال بقاؤه هنا و خامسة تسترسل في حكايات خرافية لأطفالها الأربعة، أخطر ما فيهم السادسة إنها لم تكن تفعل شيئاً على الإطلاق.
إنها تنظر صوب الحياة، تنظر و حسب، هيا انضمي إلى اللعبة خذي دورك الآن اشرعي في التخفي إكراماً لنا.
و كأنما سمعتني رفعت الفتاة عينيها، تململت في مقعدها قليلاً ثم تنهدت بدت وكأنها تعتذر لنا و كأنما تقول: آه لو تعرفين؟
أجبتها في صمت بينما أنظر إلى الأرض أحصي عدد البلاطات التي تفصل بيني وبينها: أعلم الأمر كله.
اخترقت أم الأولاد الأربعة لعبة التخفي التي نمارسها أبداً، أهذا عدلٌ؟ ثمانية عشر باصا مليئا بالأطفال والأمهات والشيوخ ينتظرون كل هذه الساعات على الجانب الفلسطيني من الجسر، منذ أول أمس في إنتظار السماح لهم بالدخول للجانب الأردني في حافلات مغلقة تماماً دون ماء ولا طعام ولا دواء للمرضى والحوامل وصريخ الأطفال الذين كادوا يموتون إختناقاً في الباصات.
يقترب منها الرجل الذي كان ينفث غضبه مع دخان سيجارته منذ دقائق: حمداً لله أنك وأطفالك لست من ركاب هذه الحافلات.
– أي رجل أنت سنصبح مثلهم حال مررنا عبر ماكينة التفتيش بعد السماح لنا بعبورها.
ينظر إليها الرجل باشمئزاز: تفاءلي خيراً.
قام الرجل الذي تكلم لتوه في هاتفه النقال للحديث مع عامل الزي البرتقالي فأفسح له الطريق و بدأت إجراءات عبوره تنفذ بسرعة فائقة بينما يرسل بنظرة فخر للجميع: أستحق أكثر من هذا.
يقترب بمقعده من رجل آخر في مثل عمره: لولا السلطة الفلسطينية ما تقاعدت على رتبة عقيد.
يمشي الشاب الذي حدق طويلاً في ماكينة عبور الممر فيلتزمان الصمت، يرنو إليهم بطرف عينيه باصقا على الأرض.
يطول صمت هذا الذي زرع الأرض دعاءً، ربما يئس في أن يتغير من الأمر شيئا، ذهب ليغير مبلغا من الدولارات.
ـ شالوم عليكو..هل لي أن أحول الألف دولار هذه إلى عملتنا المحلية؟
عفواً لماذا سعر صرف الدولار هنا أعلى من سعر صرف السوق بمعدل 7%؟!
اقتربت منه السيدة: هنا لا مكان للتعجب فالطعام الذي أحضره لأولادي يرتفع سعره بثلاثة شواكل لكل منتج، يبدو أنك أمضيت وقتاً طويلاً بعيداً عن هنا.
 تنهد بعمق: لولا مرض والدتي ما كنت هنا الآن.
نظر إلى بعيد و بدا وكأنه يحدثنا جميعا: متى أغادر هذه البقعة من الأرض هذا الجحيم الذي يسمى فلسطين؟
لا يفارقني صوتها عبر آخر محادثة بيننا:(لا تأتِ، أنا بخير انتبه لدراستك). قطعت رحلتي من فرنسا إلى هنا، بعد التفتيش والمرور في ماكينة الاشعة والهواء، وكون عندي مشكلة في القلب، أدوخ كلما مررت من هذه الماكينة، لم أكن نمت منذ أكثر من يومين، فعندما أصل المطار في عمان منتصف الليل أفضل البقاء في المطار والذهاب للجسر عبر المجمع دون أن آخذ التكسي، يعني آخذ الباص العام وبعده السرفيس المشترك. سرحت في حياتي هذه عند وصول الجسر ولم أتنبه أن عيني قد قابلت نظرات ضابط مخابرات إسرائيلي كان يتفقد الناس ككلب مسعور،  يتقدم نحوي ويضع أنفه ملاصقا لأنفي ويصرخ .
ـ لماذا تنظر إلي هكذا؟
ـ معجب أهناك ما يمنع النظر؟!
كلفني سرحاني ست ساعات انتظار وطلبا لمقابلة المخابرات في اليوم التالي. وأنا موجود عند المخابرات يوما كاملا دون أن يقابلني أحد، كانت تصحو أمي مفزوعة وتسأل: هل عاد ولدي؟  فتجيبها أختي أبداً : ليس بعد.
فتغفو من المرض ومن رغبتها في قتل الوقت بانتظاري .
-بين جسر الأردن وعندما  وصلت للاستراحة، تلقفني هناك ضابط أمن أردني:   
– طلبوك المخابرات؟
كنت قد استنزفت طاقة الصبر بداخلي : نعم وقد وافقت أن أصبح جاسوسا.
يرسل ضحكة عالية يرسلها للجميع فنشاركه ابتسامته دون أن نسأل عن أي شعور بالمرارة خرجت هذه الابتسامة لتخفيه.
قامت الفتاة من مقعدها، توقعت أن تفعل شيئاً ما يفصح عن هويتها للجميع، لكنها مارست اللعبة بإتقان، سارت في خطوات محسوبة حتى وصلت إلى طابور ماكينة الفحص و تقدمتنا جميعاً. عندما قال عامل الزي البرتقالي الفلسطيني تقدموا إلى الماكينة بسرعة كقطيع غنم.
مرت الفتاة، مررنا تباعاً، أرسلت نظري للخلف على كرسيي العميدين المتقاعدين الخاويين بينما يتزاحم الجميع على المقاعد الشاغرة بعد عبور الماكينة.
جلس الشاب الذي ما زال يرنو إلى الماكينة حتى بعد مروره منها و كأنه في انتظار شخص ما لم يأت بعد، اقتربت من الفتاة التي تقدمت لعبور الممر أسألها عن اسمها
ـ ليلى.
كاد الشاب أن يسقط أرضاً بينما تنطق حروف اسمها.
وبينما يتحول بجسده كله إليها، طلبت منها أن ترفع النقاب عن وجهها، حتى أستبين ملامحها إن كانت هي ليلى رفيقتي في مركز المحور برام الله.
ـ كنت متأكدة.
تراجع هو إلى الخلف خطوتين عندما رأى عينيها. تقدم نحو السيدة وطلب من أحد أبنائها ورقة.
ـ يبدو أنك طالب مجتهد حتى في هذه الأوقات تريد أن تدون أشياء قد تضيعها ذاكرتك إن لم تكتبها الآن.
ـ بل قد تضيعها الآن أبداً.
اقتص الورقة على شكل قلب وحفر بالقلم حروف اسمه وليلى، اقترب منها فأفسحت له مكاناً.
ـ لماذا ابتعدت ألن تكملي حديثك عن المحور؟! و قبل أن أنطق كلمة واحدة أمسك هو بيدها، تحسست يديه بارتعاشة كبرى كهطول مطر على أرض جدباء.
مرر يديها على القلب وحروفه.
ـ تحبني؟!
أمسك بيديها و ضغط عليها مؤكداً: منذ ضعنا صغاراً في الخليل وأنا أبحث عن عناق أصابعنا.
ـ أنت أسامة؟
وضع أصابعه لتملأ مساحات الفراغ بين أصابعها.
ـ هكذا كنت تفعل و نحن نلعب في فناء دارنا و كلما رآك والدي نهرك فتهرول دونما لمسة وداع، لكن في آخر لقاء كان بيننا في خيمة المحور عندما تركتموني وأهلك هناك وارتحلتم لم يكن أبي بيننا، فبينما كانت أصابعنا تتعانق لنملأ فراغات برودة طقس تشرين دفأ، كانت أوراق الشجر تعانق الأرض ببرودتها بعد أن غابت عن الشجر و أبي تعانق أصابعه قضبان سجن الاحتلال، وحدي أنا ماذا يمكن أن أفعل هل تعلم كيف أصبحت؟
وضع يديه على فمها و تمسك بها.
ـ قلت لك يوماً احذر مما تفكر فقد تكونه يوماً، و احذر مما تقول فقد تفعله يوماً، وإحذر مما تفعل لتستيقظ يوماً و أنت لا تعرف من هو ذلك الشخص الذي يتنفس بداخلك.
اقتطع من الورقة التي بين يديه قصاصة على شكل وجه امرأة ومررها بين أصابعها.
ـ نعم تلك المرأة كانت معي هناك و تعرف كل شيء كان.
قطع صورة المرأة
ووضع فتات الورق بين يديها.
ـ كونك لا تريد أن تعرف شيئا عما حدث لا يعفيك من رغبتي في الحديث عنه، لابد أن أعود بين يديك طفلة بلا خطيئة كما كنت، كي نبدأ معاً.
تمرر أصابعها على عروق يديه بقوة: أعدت لترحل دوني مرة أخرى؟
احتضن كفها مطمئناً 
-إذن لقد عدت من أجلي أنا..كنت تبحث عني؟
وضع بين يديها ميدالية مفاتيحه على شكل طائرة تحسستها وقالت:
قالوا لك إنني سافرت خارج الوطن فقررت الرحيل و شاءت الأقدار أن تراني هنا أليس كذلك؟
ربت على كفيها:
ـ لقد أعلنت للجميع أنني سأرحل من المحور، سأرحل بعيداً عن جحيمي الثاني.
أتذكر وقت كنا صغاراً في الخليل قلت لي قبل أن تصمت أبداً، لماذا يمر الفلسطينيون في شارع غرناطة الضيق لمدة خمس ساعات تحددهم السلطة؟ بينما يمر المستوطنون في شوارع واسعة ممهدة ليل نهار؟ أجبتك ببراءة لأنهم هم من مهدوا هذه الطرق من أجل مرورهم.
عندما بلغنا سن الشباب سألتني لأي جماعة  تنتمين؟ أجبتك..أحب فتح. ولما سألتني لماذا? صمت، وقلت لي غاضباً لن أتنازل عن حبي لحماس بالرغم أنني لم أطلب منك تنازلاً .
و في المحور عرفت أننا لعبة يلهو بها الفريقان معاً.
لم يستطع أي منهما أن يحميني من قوادي المخيم، هناك حيث لكل جسد ثمن.
نادى الضابط عليهما ،حان موعد رحيلهما، ووضع مثلثا أحمر بعد مرورهما.
أمسك يديها واصطحبها خارج الممر.
و نظرا للخلف نظرة لا أعي سرها، لكنها أربكتني ووسط همهمات الجميع وغمزاتهم، هل يمكن لفتحاوية عمياء وحمساوي أخرس أن يكملا معاً الطريق للنهاية؟!
بينما جلست والمرأة الحائرة بأطفالها الأربعة، والرجل الراحل بلا عودة بعد وفاة أمه على المقاعد ننتظر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى