رئيس التحريرعلي المرعبي

لماذا لم ينهض السودان..د.علي عبد القادر

لماذا لم ينهض السودان..د.علي عبد القادر
شارك

لماذا لم ينهض السودان رغم الإمكانيات الطبيعية

د. علي عبد القادر


يصر القارئ العربي على خلاصة واحدة هي أن السودان حتى 2011م كان اكبر دولة عربية وافريقية، ويتميز بأراضي شاسعة صالحة للزراعة تقارب المليون ميل مربع، ويتمتع بمليون هكتار من المياه السطحية من نهر النيل وفرعيه النيل الأبيض والنيل الأزرق والأنهار عطبرة والقاش وبعض الخيرات الموسمية ومياه أمطار غزيرة وكمية ضخمة من المياه الجوفية تقدر 15 تريليون متر مكعب. وشمس ساطعة طوال العام وأيدي عاملة مؤهلة، وثروة حيوانية قرابة 150 مليون رأس من الضأن والماعز والبقر والإبل، فمن الطبيعي أن يكون سلة غذاء العالم ناهيك عن أن يكون كافي وكافل الدول العربية والإفريقية غذائيا.
ثم يواصل القارئ العربي قوله بأن الثقافة و كمية الوعي السياسي لدى المواطن السوداني عالية جداَ مقارنة بكثير من مواطني الدول العربية، وان أعداد الكفاءات العلمية والمهنية العليا منهم تنتشر بأعداد كبيرة في الخليج وحتى بعض دول أوروبا وأمريكا الشمالية، فلماذا يظل السودان دولة متخلفة إقتصاديا إن لم نقل سياسيا؟
لعل القارئ العربي من حيث لا يدري أعطى الإجابة لسؤاله عندما ذكر تلك الإمكانيات الطبيعية والطاقات البشرية!!! وهذا ما سأحاول تناوله في هذا المقال.
إن ثروات السودان الطبيعية عرفت منذ قدم التاريخ، فأطلق الفراعنة أسم أرض النوبة أي أرض الذهب على السودان الحالي و”نوب” هي كلمة فرعونية تعني الذهب، وكانت الأسرة الثانية عشر الفرعونية في 1803 قبل الميلاد تجلب الذهب من السودان. ومن المعروف أن محمد علي باشا والي مصر العثماني غزا السودان في 1820م بحثا عن الرجال والذهب. و قد توالى التنقيب عن الذهب بصورة غير رسمية وتهريبه خلال كل تاريخ السودان الحديث، وقد قدرت كميات الذهب الموجودة حاليا بالسودان ب 533 طنا، وبذلك فهي تشكل نسبة كبيرة في الاحتياطي في العالم!!! وقد بلغت الكمية المنتجة 90 طنا في 2017م، والثابت إن قيمة ما ينتج سنويا تتراوح ما بين 3 او 4 مليارات دولار.
لن أتعرض كثيراً للثروة البترولية بإعتبار أن اكبر كمية من احتياطي البترول أصبحت تقع ضمن دولة السودان الجنوبي، ولكن فقط و لمعلومات القارئ فإن قيمة ما تم تصديره من البترول في العشرين سنة الماضية تجاوزت ال 70 مليار دولار بحسب مصادر غير رسمية.
الذي يهمني أكثر من الذهب والبترول، والذي اعتبره اكبر ثروة يمتلكها السودان هي الأرض الصالحة للزراعة والمياه الوفيرة ولعلها هي النقطة الأهم لكل البشرية أي توفير الماء والغذاء أي ضمان الأمن الاستراتيجي.
إنتبه المستعمر القديم والحديث لإمكانيات السودان الزراعية ونشر ثقافة الزراعة لمده بالمواد الخام وأشار البروفسور والخبير السوداني أحمد التجاني المنصوري بأن الاستعمار غرس ثقافة الزراعة مع “تصعيب” ثقافة التصنيع أو جعلها مكلفة جدا.ً
سبق للبروفسور التجاني وبعض زملائه أن أشاروا إلى أن “دخل السودان السنوي من السمسم الخام يبلغ 259 مليون دولار في أحسن الأحوال، أما السمسم المصنع فإن دخله السنوي 19مليار دولار. وان هناك دول تستورد أو “تهرب” السمسم السوداني وبعد تصنيعه تبيعه بعشرات الأضعاف.
كما أنهم أشاروا إلى أن مدخول “الصمغ العربي الخام السنوي 100 مليون دولار، و مدخول الصمغ المصنع 9 مليار دولار”. من ناحية أخرى، بدأ هذه الأيام حصاد القمح في مساحة 750 ألف فدان ويتوقع حصاد مليون طن من القمح. أضيف هنا للعلم أن المساحة المستهدفة للمحاصيل الزراعية هي 49 مليون فدان.
وبحسبهم أيضا أن “أنتاج السودان السنوي المتوقع من اللحوم والألبان بدون الماعز والضأن يبلغ 125 مليار دولار تقريبا”، دون الحديث عن زراعة البرسيم وإنتاج العلف الذي أصبح سلعة نادرة في العالم.
إذن بكل بساطة يمكننا القول بأنه إذا وجد الاستقرار السياسي في السودان مع الإستثمار الجاد لهذه الثروات الطبيعية يمكن أن يبلغ الدخل السنوي للسودان مئات المليارات من الدولارات وهذه بدورها يمكن استثمار جزء منها في مشاريع أخرى.

مما سبق يقفز سؤال “المليون” إذن لماذا لا ينتبه أهل السودان لهذه الخيرات بل الكنوز التي بين أيديهم والتي يمكن أن تجعل منهم أكثر أهل الأرض رغدا ورفاهية؟؟؟
تجدني لا ألقي بالا كثيرا لنظرية المؤامرة رغم قناعتي بوجودها، ولكنها دليل على جهل المغرر به و ضعفه على أخذها في الحسبان والاستعداد لها لمجابهتها على الأقل إن لم يستطيع تجاوزها، وهو ما يحدث في السودان من الناحية السياسية.
إذن تظل مشكلة السودان ومنذ الاستقلال في عدم وجود إستقرار سياسي و الإفتقار للحوكمة الرشيدة والإدارة الحكيمة، فمن المؤسف حقا وجود تلك الدائرة الرهيبة، انتخاب حكومة مدنية، ثم انقلاب وحكم عسكري، ثم إنتفاضة فحكومة مدنية، ثم انقلاب وحكم عسكري، و منذ استقلال السودان في 1956م وحتى تاريخ اليوم، حكم العسكر 52 عاما واستمر الحكم المدني 12 عاما متقطعة.
بالطبع يظل السؤال قائما، ما هي أسباب الانقلابات العسكرية؟ والإجابة ببساطة تعيدنا لنقطة الثروات والاستعمار، فغالبية الأحزاب التي تكونت قبل الاستقلال قامت على أسس غير سليمة واستمرت عليها ولم ترض حتى تاريخ اليوم تصحيح مسارها المنعوج!!! نعم لقد قامت تلك الأحزاب على أسس عقائدية وطائفية وغلبت عليها الروح الاقصائية مبكراُ، بحيث لم توجد مساحة للآخر داخل الحزب ناهيك عن خارجه، رغم اعتراف الجميع بوجود تنوع اثني وثقافي وديني كبير في السودان يمكن أن يكون عامل إثراء بدل أن يكون عامل تفرقة وتمزيق للمجتمع.
إذن عمل المستعمر ووكلائه من بعده على استغلال تلك العصبية القبلية والجهوية والحزبية والدينية، والتلاعب بتلك الأحزاب بمنحها بعض السلطة أو حرمانها منها حسب رضوخها له. ومن الطبيعي أن ينتبه المستعمر ووكلائه من البداية لضرورة عدم زرع الوطنية في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، من خلال زرع روح التآمر فيها وربط ولائها لتلك الأحزاب المتصارعة فأصبحت العقيدة القتالية فيها عقيدة حزبية ودينية وقبلية.
إذن، لا بد من مراجعات حقيقية داخل هذه الأحزاب لتجاوز أسباب نشؤ هذه الأحزاب والارتقاء بها لمستوى تحديات المرحلة والوصول لإتفاق كل الأحزاب على استقلالية الدولة عن الحكومات، مع الاتفاق التام حول وجود حد أدنى من السياسة الوطنية، أي الاتفاق على الحد الأدنى من البرامج الاقتصادية التي تؤدي إلى الأمن الغذائي، وتأهيل المواطنين جزء من الأمن القومي والاستراتيجي، وهو أمر يمكن تضمينه في الدستور كمواد لا تتأثر بتغير الحكومات أو أنظمة الحكم، ويمكن أن تسمى الأولى مادة تنمية الثروة الزراعية والحيوانية والثانية مادة التأهيل المستمر الإجباري لكل أفراد الشعب من سن السادسة إلى سن 59. وفي انتظار الوصول إلى ذلك الدستور يمكن الاتفاق حول خطة أو رؤية إستراتيجية استثمارية مستقلة لا علاقة لها بالحكومات المتغيرة. وها هي الفرصة تأتيهم في طبق من ذهب، فإذا كانت هناك دول تعتمد على دبلوماسية قوة الآلة العسكرية وأخرى تستعمل دبلوماسية القوة الناعمة، فها هي الفرصة تتاح للسودان لإستثمار دبلوماسية قوته الزراعية وثروته الحيوانية خاصة بعد مبادرة الأمن الغذائي العربي التي طرحتها الكويت والمتمثلة في ضرورة الاستثمار الزراعي في السودان لتأمين الغذاء العربي والإسلامي.

د.علي عبدالقادر كاتب وباحث سوداني

شارك برأيك وأضف تعليق

الأكثر قراءة

search

كل الحقوق محفوظة لدى مجلة كل العرب 2020 ©