الرئيسيةكل السياسة

وداعاً كوفي عنّان

شارك

بهدوء يحاكي مسيرته الوظيفية، رحل صباح السبت 18 آب/أغسطس 2018 في العاصمة السويسرية بيرن، السيد كوفي عنّان الأمين العام الأسبق للأمم المتحدّة عن عمرٍ ناهز الثمانين عاماً.

ينحدر كوفي عنّان (المولود في 8 نيسان/ابريل 1938) من عائلة ثرّية في غانا. وبعد انهاء دراسة الماجستير في المعهد العالي للدراسات الدوليّة بجنيف عام 1962، إنخرط مباشرةً ضمن العمل الدبلوماسي في الأمم المتحدّة حيث عيّن في منظمة الصحة العالميّة (WHO)، ثم شغل عدّة مسؤوليّات وتدرّج في مناصب زوّدته بالخبرة اللازمة لأدارة المنظمة الدوليّة والتصدّي للمشاكل المعقدة التي تتصدّى لها.

  • بقلم  ناجي حرج

فقد تولّى إدارة الموارد البشرية وسلامة العاملين 1987-1990، والمسؤول عن تخطيط البرامج والميزانية 1990-1992، ثمّ ممثلاً خاصاً للأمين العام في يوغسلافيا 1993ـ ،1996 بدرجة وكيل أمين عام قبل ان يُنتخب اميناً عاماً في الأول من كانون الثاني 1997، ليكون الأمين العام السابع للأمم المتحدّة.

والسيد عنّان، هو اول امين عام يصل الى المنصب بالتدرّج، وثاني افريقي (بعد السيد بطرس غالي) يتبوأ هذا المنصب الدولي الرفيع الذي أُنتخبَ فيه الى ولاية ثانية أنتهت عام 2006.

وطيلة فترة عمله، دأب السيد عنّان على تنفيذ بعض الإصاحات في منظومة الأمم المتحدّة، وخفض ميزانيتها. وكرّس جزءاً كبيراً من جهوده لمكافحة فيروس الإيدز (وخاصة في أفريقيا)، وإنهاء انتهاكات حقوق الإنسان.

الحرب على العراق….التحدّي الأكبر لكوفي عنّان

عندما اصبح كوفي عنّان اميناً عاماً للأمم المتحدّة واجه واحدة من اهم تعقيدات السياسة الدوليّة وهي العلاقة المُلتبسة للأمم المتحدّة مع العراق. فقد كانت الإدارتين الأمريكيّة والبريطانية تعملان من أجل إطالة نظام العقوبات على العراق بما فيه من حصارٍ شامل رغم ان العراق قد نفذّ الإلتزامات المنصوص عليها في قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة.

واثناء فترة عمله الأولى كأمين عام قام في شباط/فبراير عام 1998 بزيارة تأريخيّة للعراق بصحبة وفدٍ من الأمم المتحدة في للعراق. وقد ضمّ الوفد المرافق له كل من السيد هانز كوريل، مساعد الأمين العام للشؤون القانونيّة، والاخضر الإبراهيمي، المستشار الخاص للأمين العام. وخلال الزيارة التقى مطولاً مع الرئيس الراحل صدّام حسين (22 شباط)، وسبق ذلك اللقاء عدّة جلسات من المباحثات عُقدت يوم 21 شباط مع الجانب العراقي برئاسة المرحوم طارق عزيز، نائب رئيس مجلس الوزراء آنذاك. تمخضّت زيارة عنّان عن توقيع مذكرة تفاهم يوم الأثنين 23 شباط 1998 بخصوص عمل فرق المفتشين في العراق.

وفي ظلّ إستمرار التصعيد الأميركي ـ البريطاني ضدّ العراق نشطت الدبلوماسيّة العراقيّة لمنع اصدار قرارٍ من مجلس الأمن يمكن ان يُستخدم ذريعةً لشنّ حربٍ على العراق. بلغ آوج ذلك النشاط عام 2002 حيث عُقدت عدّة جولات شاقّة من المفاوضات، في نيويورك وفيينا، بين وفود العراق برئاسة الدكتور ناجي صبري، وزيرالخارجية وبين وفد الأمانة العامة للأمم المتحدّة برئاسة السيد كوفي عنّان. وقد جرت المفاوضات في أجواء تُخيّم عليها اجواء الحرب التي كانت تُقرع طبولها في واشنطن ولندن. ومن اداريتهما كان السيد عنّان يخضع لضغوطٍ كبيرة واشتراطاتٍ كثيرة بهدف تقويض ايّ اتفاقٍ محتمل مع العراق لكي يكون ذلك ذريعة لاستصدار تخويلٍ بشنٍ الحرب. لكن المفاوضات مضت بإتجاه آخر وتم في آخرالإجتماعات، في نيويورك في 15 سبتمبر 2002، الاتفاق على عودة فرق المفتشين الدوليين الى العراق مرّة أخرى بعد ان كانت الإدارة الأمريكيّة قد اوعزت بسحبهم عام 1998 عندما شنّت غارات عدوانية على العراق.

في الأشهر الأولى من عام 2003 ومع تسارع الضغوط الأمريكية ـ البريطانية لاستصدار قرار جديد بشأن الحرب، حاول السيد عنّان اقناع مجلس الأمن الدولي لمنح فرق المفتشين في العراق وقتاً أطول لأنهاء مهامها. ونقل عنه تحذيره، في الاجتماعات مع ممثلي الأدارتين الامريكيّة والبريطانية من ان الذهاب الى الحرب دون تخويلٍ دولي سيؤدّي الى شرخٍ يصعب إصلاحه في النظام الدولي.

لكنّ جهود السيد عنّان لم تثنِ الأدارتين الأمريكية والبريطانية عن استمرار التصعيد والتحشيد العسكري وصولاً الى شن عدوانهما السافر على العراق عام 2003.
لم يستطع السيد عنان وقف الغزو، لكنّه وصفه بانه غير شرعي. ففي مقابلة بثتها محطة التلفزيون البريطانية (بي بي سي) في 15 أيلول/سبتمبر 2004، قال عنّان انه يؤكد موقفه بان الهجوم الذي شنته الولايات المتحدّة ضد العراق قد نُفذ دون موافقة الأمم المتحدّة وهو يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدّة، وواصل (وبالتالي فمن وجهة نظرنا ومن وجهة نظر الميثاق فأنه غير شرعي). وأدان تعذيب السجناء العراقيين على أيدي القوات الأمريكية، والإنتهاكات ضد المدنيين، وخاصّة الأطفال، واصفاً هذه الأعمال بأنها “سوء معاملة مخزية”.

وقبل انتهاء ولايته، وبالتحديد في 4 كانون الأول / ديسمبر 2006، قال السيد عنان خلال مقابلة ثانيّة لهيئة الإذاعة البريطانية أن العراق في ظلّ نظام الرئيس صدّام حسين كان افضل مما هو عليه (الآن). موضّحا ً: “لو كنت عراقياً عادياً، سأجري نفس المقارنة… كانت لديهم شوارعهم. كان يمكن أن يخرجوا، يُمكن لأطفالهم الذهاب إلى المدرسة والعودة إلى المنزل دون ان يساور الأهل قلق: هل سأرى طفلي مرة أخرى؟”.

وأضاف: “لقد كان العراق أصعب قضية اتعامل معها خلال السنوات العشر التي أمضيتها كأمين عام. وان عدم قدرة الأمم المتحدة على منع الغزو كان أكبر اخفاقٍ”.
رحل السيد عنّان وما يزال إخفاق المنظمّة الدوليّة في منع غزو العراق يُنتج مآسٍ وكوارث لشعب العراق الذي وصل به الحال اليوم للمطالبة بقطرة ماءٍ من اجل استمرار الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى