كل السياسة

كل العرب تودع سمير أمين

شارك

غيّب الثرى الفرنسي المفكر والاقتصادي المصري الدكتور سمير أمين، أهم أعلام مدرسة التبعية ومؤسس نظرية المنظومات العالمية، وذلك يوم الأحد 12 أغسطس الماضي فى العاصمة الفرنسية باريس عن عمر ناهز 87 عاماً وشُيّعت جثمان الاقتصادي البارز وسط دموع جموع مثفقي دول القارات الخمس، يوم السبت 1 سبتمبر، في مقبرة المشاهير التاريخية في منطقة بيير لاشيز بباريس 20، بحضور وفد من السفارة المصرية الى جوار أسرة الفقيد، تقدم الحضور وفد وزاري من بعض الدول الأفريقية وعلى رأسهم وزير الثقافة السنغالية مبعوث رئيس السنغال وسفراء السنغال و مالي ومدغشقر وجمهورية الكونغو وممثلين عن أحزاب سياسية فرنسية منها الحزب الشيوعي الفرنسي وحزب الجبهة الوطنية ومدراء منتدى العالم الثالث وكذلك مندوبين عن المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا الذي يعد أكبر منظمة أبحاث حكومية في فرنسا.

كما شارك في وداعه ثلة من الشخصيات الفرنسية والعربية والأجنبية العامة وعددا كبيرا من الأكاديميين وأساتذة الجامعات الفرنسية والعربية والأفريقية والآسيوية ومن أمريكا اللاتينية حيث كان سمير أمين محاضرا في عدة جامعات العالم وصاحب فكر تبنته طبة المثقفين في مجتمعات هذه الدول.

كل العرب كانت حاضرة وشهدت مراسم الدفن، التي أقيمت فى أجواء مهيبة وصحبته حتى مثواه الأخير وألقت في قبره الورود وسجلت مداخلات للعديد من الشخصيات والمسئولين الفرنسيين والأجانب الذين تحدثوا عن تاريخه السياسي والعلمي والإنساني ودونت كلمات الوداع الأخير في سجلات أسرة الفقيد.

شكر عميد جامعة السوربون روح سمير أمين على عطاءها العلمي والجهود الإنسانية والثقافية التي أثرى بها المكتبات الفرنسية وساهمت في تربية أجيال من المفكرين الفرنسيين والاقتصاديين في مختلف قارات العالم. فيما نقل الوزير المفوض هشام المقود، نائب السفير والقائم بالأعمال في السفارة للمصرية بفرنسا تعازي مصر حكومة وشعبا لعائلة وأقارب سمير أمين، مشيدا بالمسيرة الاستثنائية للمفكر المصري ودعمه لحركات التحرر في العالمين العربي والأفريقي. ووصف القائم بالأعمال للسفارة رحيل أمين بالخسارة الكبيرة على المستوى العربي والأفريقي والدولي لا سيما بالنسبة لمصر وفرنسا، معربا عن يقينه بأن قيمه وأفكاره الإنسانية لن تموت وستظل محفورة فى قلوب وأذهان الأجيال القادمة.

فيما ثمنت نخبة الأكاديميين الفرنسيين والأجانب كفاح زميلهم منذ نصف قرن ضد العولمة والاستعمار وأشادوا بترأس سمير أمين لمنتدى العالم الثالث الذي أسسه كمركز فكر في داكار حتى رحيله، كما شارك في تأسيس منظمات بحثية وعلمية أفريقية عديدة منها المجلس الأفريقي لتنمية البحوث الاجتماعية والاقتصادية التي اعتمدتها الأمم المتحدة وساهم في إنشاء منظمات إنسانية عديدة في دول العالم الثالث
ولد أمين في الثالث من سبتمبر العام 1931 ونشأ فى بورسعيد لأب مصري وأم فرنسية وحصل على الثانوية العامة من مصر قبل أن يتجه لاستكمال دراسته في فرنسا التي حصل منها على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة السوربون.

عمل مستشارا اقتصاديا في كل من مالي ومدغشقر وجمهورية الكونغو وغيرها من الدول الأفريقية كما عمل مديرا لمعهد الأمم المتحدة للتخطيط الاقتصادي في داكار خلال حقبة السبعينيات.
ومن أبرز مؤلفاته بالعربي والفرنسي التي تناهز الستين: حوار الدولة والدين، وفى نقد الخطاب العربي الراهن، ونحو نظرية للثقافة، وما بعد الرأسمالية المتهالكة، والاقتصاد السياسي للتنمية في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
يعد المفكر د . سمير أمين أحد خبراء الاقتصاد التقدميين في مصر والوطن العربي، شارك خلال حياته العلمية في تأسيس عدد من مراكز البحوث، التي تهتم بالتنمية البشرية، ومنها “المجلس الإفريقي لتنمية البحوث الاجتماعية والاقتصادية، ومنتدى العالم الثالث، والذي ترأسه لسنوات طويلة”.

اهتم د . أمين في دراساته المتعددة منذ أكثر من خمسين عاماً بتقريب الهوة ما بين المركز والأطراف، وإعادة قراءة المادية التاريخية في سياقاتها المعاصرة، وعلاقتها بأنماط الإنتاج المختلفة.
كما اهتم بالتنمية في القارة الإفريقية، حيث عمل لسنوات طويلة مستشاراً اقتصاديا في مالي ومدغشقر والكونغو، وتصدى لأفكار اقتصادية مغايرة لأفكاره التي عمل من أجلها طوال سنوات بحثه الطويلة.

وعبر مؤلفاته العديدة قدم د. أمين رؤية اقتصادية وفكرية متكاملة حول مستقبل المنطقة وعلاقتها بالتحولات العالمية، ومنها “التراكم على الصعيد العالمي” ،1973 و”التبادل غير المتكافئ وقانون القيمة” ،1974 “الطبقة والأمة في التاريخ وفي المرحلة الإمبريالية، والاقتصاد العربي المعاصر، أزمة الإمبريالية أزمة بنيوية” “في نظرية الثقافة” ،1989 و”حوار الدولة والدين” ،1996 “وفي نقد الخطاب العربي الراهن” 2009.

اتجه في كتاباته ودراساته إلى وضع تصورات عقلانية من أجل إيجاد حلول موضوعية للأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية التي يمر بها الإنسان المعاصر، خاصة في منطقة الشرق الأوسط عبر رؤية حداثية متعددة الأبعاد، مؤكداً نشوء الجوهر الإنساني في الحداثة، عندما تخلى الفكر الفلسفي عن الطابع الميتافيزيقي، فدخل البشر في فلك الحرية ومعها القلق، وصارت ممارسات الفكر العقلانية تنعتق عن الحدود المفروضة عليه سابقا، فأدرك الإنسان منذ هذه اللحظة أنه هو صانع تاريخه، انطلقت الحداثة إذن عندما أعلن الإنسان انعتاقه من تحكم النظام الكوني، وكان يرى أن هذه القطيعة كانت أيضا لحظة تبلور الوعي بالتقدم في مجال إنماء قوى الإنتاج أو في مجال تراكم المعلومات العلمية الجزئية كظاهرة موجودة منذ الأزل، ولكن الوعي في إنجازه التقدم وربطه بالتحرر، إنما هو شيء آخر، حديث النشأة، من هنا أصبح مفهوم التقدم وثيق الصلة بالمشروع التحرري، كما أصبح العقل مرادفا للتحرر والتقدم .وقد أكد د . أمين منذ الستينيات ضرورة تجاوز العقل العربي لأزماته، وتحديث الفكر الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى