كل السياسة

قصة الاسطوانة المدمجة التي فضحت الدور الإيراني في سيناء

شارك

القاهرة من مراسلنا حسين عبد القادر : استمع ضابط المخابرات العسكرية المسؤول عن منطقتي الوسط وجنوب العريش بسيناء إلى أحد أبناء القبائل المقيم بالمنطقة حيث يفرض عليهم ولائهم وانتمائهم الوطني التعاون مع أجهزة الاستخبارات بصفة دائمة بنقل أية معلومات عما يدور لديهم.

كان الوقت في هذه اللحظة هو أحد أيام شهر مارس عام ٢٠١٣ حينما ذكر المواطن السيناوي للضابط بأن هناك غرباء جدد ظهروا بخلاف هذه العناصر المسلحة المتشددة سواء فلسطينية أو مصرية، وأضاف الرجل أن هؤلاء الغرباء أقاموا معسكرا كبيرا للتدريب العسكري ومعهم أسلحة جديدة لم يعرفها من قبل.

وعندما سأله الضابط عن جنسية هؤلاء الغرباء؟ قال إنه لا يعرف تحديدا جنسيتهم ولكنهم أصحاب بشرة بيضاء وعرف من بعض المقربين من المعسكر أنهم لا يتحدثون العربية.

انتفض الضابط من مكانه، كان واضحا أنه أدرك تضاعف حجم الخطر الذي يجري وينتظر مصر بما يحدث، وربت على كتف الرجل السيناوى وقال له: أريد تصوير كامل للمنطقة يحتوي على مشاهد لهذه الشخصيات وأسلحتهم.

وفى عصر اليوم التالي كان هاتف الضابط يدق وعلي الجانب الآخر كان الرجل السيناوي الذي قال له معي المطلوب ومستعد لتسليمه لكم الآن، وطبقا للأساليب المتبعة والمتفق عليها بين رجال الاستخبارات لإتمام مثل هذه المقابلات تم استلام اسطوانة مدمجة انطلق بها وسيط غير معروف إلى مكتب الضابط، وما أن أدار جهاز الكمبيوتر وشاهد محتويات الاسطوانة حتى تغيرت ملامح وجهه ليجلس علي الفور ويكتب مذكرة كاملة بكل ما وصله ليرسلها مع محتويات الاسطوانة إلى قادته ومن هذه اللحظة بدأت تحدث تغييرات شاملة علي الوضع العسكري للجيش المصري في سيناء.

كان أهم قرار للجيش وقتها هو عدم المثول لأي تعليمات للنظام الحاكم المنتمي للإخوان المسلمين بالحد والتجميد لملاحقات الجيش للعناصر المسلحة، نعم هناك متابعة وبعض العمليات ولكنها تواجه بعرقلة إخوانية.
الجيش أدرك أن مخالفته توجهات النظام هو الإخلاص والولاء للوطن والحفاظ علي أراضيه في مواجهة الخطر الشديد والمحدق به وأن أي تأخير هو كارثة تنتظر مصير ومستقبل البلاد وهو ما أكدته محتويات الاسطوانة التي وصلته من رجالهم أبناء سيناء.

نعود إلى مشاهد الاسطوانة التي كشفت عن تواجد عسكري لعناصر تنتمي للحرس الثوري الإيراني وكان واضحا ذلك من ملامح وجوههم وحجم أجسادهم والأهم هو العلامات والأعلام الخاصة بالحرس الإيراني والتي علقوها دون أدنى حياء في بلد له سيادته، داخل أعماق الصحراء القاحلة بسيناء.

كان سبب الانتفاضة السريعة وبدأ عملية عسكرية بالتوغل في عمق الصحراء وتكثيف التمركزات علي الطرق، أنهم يدركون أن جماعة الإخوان تخطط بل وتنفذ تكوين بنية عسكرية خاصة بها لتأمين استمرار تواجدها فهم لا يأتمنون قوات الجيش المصري ولا يثقوا فيه لادراكهم جيدا أن تكوين الجيش يتم بعناية شديدة بعيدا عن أي طائفية، وتبدأ عملية التكوين منذ التحاق الشباب بالكليات والمعاهد العسكرية الذين سينضمون إليه لتأدية الخدمة العسكرية الإلزامية حيث يتم فحص انتماءات الشخص وأقاربه حتى الدرجة الرابعة من التسلسل العائلي للتأكد من عدم وجود أي شبهة أو وجود أية علاقات تؤثر في إخلاص انتمائه.

كان القرار الحاسم للجيش بمواجهة ما يدور علي أرض سيناء ضروري قبل أن تتكون البنية العسكرية للإخوان وتتعقد الأمور ولن تؤدي المواجهات فيما بعد إلا إلى تمزيق الوطن وهو أمر لا يهمهم كثيراً.
طوال الوقت وعقب قيام ثورة ٢٥ يناير وحدوث الفراغ الأمني خاصة في سيناء ودخول عناصر متشددة مسلحة من الجانب الفلسطيني في غزة انضمت إليهم تنظيمات مصرية موجودة وكلها تنتهج الفكر التكفيري كان تحت نظر ورصد ومتابعة كل أجهزة المعلومات السيادية، كانت الأنفاق أسفل الحدود بين غزة ومصر قد زاد عددها إلى درجة كبيرة وتم تطويرها ليصبح العديد منها ذو تقنية عالية وتجهيزات ضخمة تتيح عبور الناقلات الضخمة بها، وأصبحت حركة المرور سواء للأفراد العاديين أو العناصر المسلحة التي تعبر لتلقي تدريبات عسكرية في غزة وتعود أو تستقبل قادة تنظيمات يشرفون على إعداد معسكرات إرهابية علي أرض سيناء.

أجهزة الاستخبارات كانت تتابع عن كثب حركة العبور والتي بدأت تشهد نقل أسلحة ثقيلة وخفيفة، ورصد لقاءات واجتماعات لقادة التنظيمات القادمين من غزة مع عناصرهم والعناصر المحلية التي بدأوا ينصهرون في مجموعات مشتركة في التدريبات العسكرية ومعسكرات للتأهيل الفكري والبدنى.

كان الجيش يستطيع التدخل والمواجهة مبكرا ولكن منذ البداية كانت تعليمات النظام الحاكم حائلا لحرية العمل والمواجهة وادرك الجيش العلاقة القوية بين جماعة الإخوان والعناصر المتشددة التي بدأ وجودها يتكشف بشكل واضح خاصة في منطقتي رفع والشيخ زويد، كانت قرى رفح خاصة (المطلة والبرث وأبوشنار والحسين والخرافية والمهدية ونجع شبانة والكيلو ٢١) تشهدا وجودا تكفيريا واضحا.

كان حادث اختطاف بعض جنود الجيش في سيناء بواسطة العناصر المتشددة سببا فى توضيح الصورة الكاملة للعناصر المتشددة المسلحة في سيناء وعلاقتهم الوثيقة مع جماعة الإخوان، فقد رفض تماما الرئيىس الإخواني محمد مرسي في ذلك الوقت قيام قوات الجيش بأي عملية لتحرير الجنود المختطفين تاركا عملية الإفراج عن الجنود عبر مفاوضات بين وسطاء للجماعة في سيناء وقادة التنظيمات المسلحة ووقتها قال جملته الشهيرة:( سنقيم مفاوضات وتحركات تضمن سلامة كل من الخاطفين والمخطوفين).

كانت هناك حالة غيظ وغضب تسري داخل الجيش الذي يعتز دائما بقدراته ومهاراته العسكرية مع شعوره بالإهانة لخطف بعض جنوده علي أرض بلادهم. وزاد من شعور الغضب هو تكبيل يد الجيش عن التحرك لتنفيذ عملية تحرير لجنوده حتي ولو ماتوا أثناء العملية ذاتها.

وللمرة الثانية خلال ساعات أدرك الجيش بشكل قاطع حجم وقوة العلاقة والاتصالات بين الإخوان وهذه العناصر، وذلك عندما عزمت قيادات إخوانية للتواصل مع قادة التنظيمات في العمق الصحراوي لسيناء كان خيرت الشاطر الرئيس والقائد الفعلي للجماعة على رأس هذه المجموعة وعندما اقترب منه أحد القادة الميدانيين للجيش وهو يعرض عليه مرافقة قوة عسكرية تتولى تأمينهم وإرشادهم: رد عليه بضحكة ساخرة، “لا عليك.. نعرف طريقنا جيدا ولو احتجتم إلينا لتأمين أنفسكم نحن جاهزون ومستعدون لهذه المهمة”.

إلى هنا كانت الصورة واضحة لطبيعة العلاقة بين الإخوان والتنظيمات المتشددة والتي تم تمكينها من السيطرة الكاملة على جميع مدن رفح والتي أصبحت شبه منفصلة عن الدولة المصرية فقد شكل المتشددون تحت التنظيم المسلح المعروف باسم ولاية سيناء فصائل مسلحة تتولى تأمين وإدارة كل أمور السكان في القرى والتي يبلغ عددهم نحو ٧٥ ألف مواطن تقريبا شكلوا دواوين حكومية، وقوات شرطة محلية تتولى تأمين الأسواق والمحال التجارية والمساكن والقيام بدوريات مسلحة طوال الليل وكمائن علي الطريق لضبط أي غرباء يشتبه في انتمائهم لقوات الجيش أو الشرطة المصرية الذين كانوا يطلقون عليهم الجيش المرتد والشرطة الكافرة واستحلوا دماء أفرادهم.

حتى هذه اللحظة كان الجيش يقوم بعمليات محدودة لتحجىم عملية الانتشار لتمركزات العناصر الإرهابية المسلحة، أجهزة استخباراته كانت تسجل وتصور كل ما يمكن رصده من أنشطة هذه العناصر والتنظيمات الإرهابية وكان من بينها تلك العروض العسكرية في عمق صحراء سيناء حيث تسير عشرات السيارات الحديثة ذات الدفع الرباعي وقد زودت بأسلحة وصواريخ متنوعة سواء مضادة للدروع أو حتى الطائرات من دون طيار، كان موكب السيارات والذي يستمر نحو ساعتين أحيانا وهو يستعرض قواته وعناصره يحملون أعلام التنظيم السوداء التي تميزهم.

علي خط مواز كان الجيش يدرك أن هناك علاقة استراتيجية تجمع بين إيران وجماعة الإخوان فالاثنان لا يؤمنان بالحدود بين الدول الإسلامية، فهم تحديداً أي الإخوان لا يؤمنون بالقومية العربية. كان هناك مؤشرات لتعاون بين الإخوان وإيران والتي بدأت بالسماح بعودة مجموعات السياح الإيرانيين المشبوهة للمقامات الدينية المقدسة.
أضف إلى ذلك الاهتمام العقائدي للإيرانيين بمصر تحديداً فعقيدة ظهور المهدي المنتظر تقول لهم إن هذا المهدي سيظهر في مصر وأن قواته التي ستتحرك معه ستكون أيضا من مصر.

كان مشهد أعلام الحرس الثوري الإيراني على معسكر التدريبات داخل الصحراء المصرية في سيناء كفيلا في البداية للإجابة علي سؤال هام وهو مصدر هذه الأسلحة الحديثة التي تنتشر بأيدي العناصر الإرهابية مثل صواريخ كورنيد المضادة للدروع وصواريخ سام وغيرها. نعم كان هناك معلومات عن خطوط تهريب هذه الأسلحة عبر السودان أو ليبيا.. ولكن من أين مصدر التمويل والدعم اللوجيستي الذي يؤمن مسار شحنات هذه الأسلحة حتى تدخل البلاد عبر الحدود الدولية؟!

بعد وصول الأسطوانة المدمجة لمعسكر الحرس الثوري الإيراني وتحليل مشاهدها داخل الأجهزة التابعة للجيش. لم تمض أيام حتى كانت ضربات عسكرية توجه للتمركزات العسكرية الإرهابية لتتصاعد هذه الضربات إلى خطط عسكرية متكاملة تم الإعداد لها وبدأ التنفيذ لها بإزاحة الجيش لجماعة الإخوان من الحكم بعد أن بات خطرهم على الأمن الوطني للبلاد واضحا، حيث دخلت مدرعات الجيش وكتائبه إلى أعماق سيناء لأول مرة منذ عام ١٩٦٧ وخرج أهالي سيناء إلى طرق مرور قوات الجيش ليستقبلوهم بالزغاريد والورود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى