الرئيسيةكل السياسة

ايران.. بين مطرقة العقوبات الأجنبية وسندان الغضب الداخلي

شارك

عباس الكعبي

عبّر الخميني عن هزيمة بلاده النكراء أمام الجيش العربي العراقي بتاريخ 08/08/1988، فاعترف علناً وصراحةً عن تجرّعه السمّ الزعاف بقبوله إتفاقية وقف إطلاق النار بعد حربه العدوانيّة ضد العراق التي دامت لثمانية سنوات. وسار خليفته خامنئي على نهجه بإعترافه قبل أيام بإرتكابه الخطأ حين وافق على المفاوضات النووية بين بلاده من جهة والمجموعة 5+1 من جهة أخرى، والتي تجاوز فيها الوفد الإيراني الخطوط الحمراء نظراً لحجم التنازلات التي قدّمها، وفقاً لإعترافات خامنئي.

ولا ريب أنّ إعتراف خامنئي بالخطأ لا يقتصر على الإتفاق النووي وحجم التنازلات التي قدّمتها طهران بموجبه، إنما يعني الإعتراف بخيبة قادة النظام الإيراني في مشروعهم الذي لم يأخذ في الحسبان فوز دونالد ترامب وما أصابهم من خيبة أمل وإحباط كبير إثر إعلان الأخير عن الإنسحاب الأمريكي من الإتفاق.

وكان النظام في إيران قد جاء بحسن روحاني على سدّة الرئاسة عام 2013 خصيصاً للتوقيع على الإتفاق النووي، وقد نجح فعلاً في مناورته هذه، إذ توصّل عام 2015 إلى الإتفاق، فألغيت العقوبات وحققت إيران بعض المكاسب المتعلقة بالحصول على مليارات الدولارات من أرصدتها المجمّدة في الخارج إضافة إلى استقطابها عدّة شركات استثمارية أجنبيّة.

وشهدت كبريات المدن الإيرانيّة إحتفالات شعبيّة واسعة بمناسبة التوقيع على الإتفاق، إذ ابتهج الشعب الإيراني الذي تحمّل الكثير من المعاناة نتيجة السياسات الخاطئة للنظام والآثار الوخيمة للعقوبات على الأوضاع المعيشية والإجتماعيّةوالإقتصاديّة والسياسيّة، فظنّ أنّ الإتفاق سينهي حالة البؤس التي عاشها لعدّة سنوات، وسيعود عليه بالإيجاب على كافّة الصعد.

ولكنّ سرعان ما تبدّدت آماله حين وقف يشاهد كيف أنّ مليارات الدولار التي جنتها إيران نتيجة رفع العقوبات، تتدفق نحو المليشيات الطائفية الإرهابيّة في العراق وصناعة المتفجرات للفتك بالشعب العراقي، وكذلك الدعم المادّي واللوجستي غير المحدود لعصابات الحوثيين في اليمن لتغذية الحرب الداخلية ضد الحكومة اليمنيّة الشرعية، أو لتزويد نظام بشار بالبراميل المتفجرة ليلقي بها على الشعب السوري، أو لتمويل ميليشيا حزب الله في لبنان لتقاتل إلى جانب بشار في سوريا، أو لزرع العبوات الناسفة في البحرين.

وعوضاً عن إستغلال الدولة الفارسيّة مكاسب الإتفاق النووي لتحسين الأوضاع المعيشيّة للمواطنين ولتحسين العلاقات مع مختلف الأطراف الدوليّة، إلّا أنّها أصبحت أكثر وقاحة في تباهيها بالتدخل السافر في الشؤون الداخليّة للدول العربيّة ونشر الإرهاب في هذه الدول وزعزعة أمنها وإستقرارها وإستهداف سيادتها ومركزية دولها، حتى بلغت بطهران الصفاقة إلى حدّ التباهي بالهيمنة على أربعة عواصم عربيّة!

وتلقّت طهران ضربة موجعة بإعلان واشنطن الإنسحاب من الإتفاق النووي وفرض الأخيرة سلسلة عقوبات صارمة ضد إيران، دخلت حزمتها الأولى في السادس من الشهر الحالي، أمّا حزمتها الثانية وهي الأكثر حزم وصرامة فسوف تدخل حيّز التنفيذ في الرابع من شهر نوفمبر القادم.

وهكذا تبدّدت آمال الشعب الإيراني في تحسين أوضاعه المعيشيّة، وشهدت العملة الإيرانيّة إنهيار غير مسبوق بفقدانها 80% من قيمتها خلال أسبوعين فقط، وغادرت إيران العديد من الشركات الأجنبيّة الكبرى، وكوريا الجنوبيّة والهند اللتان تعدّان أكبر مستورد للنفط من إيران بكميّة 700 ألف برميل يوميّاً، خفضت إستيرادها لهذا النفط بنسبة تفوق الخمسين بالمائة، فتضاعفت أشعار المواد الغذائية والسلع في إيران.

ولم يعدّ الظلم والإضطهاد والحرمان حكراً على شريحة محدّدة من المواطنين، بل شمل العامل والفلاح والموظف والتاجر، أي الطبقة الفقيرة والوسطى، وحتى الطبقة الغنيّة، فهي الأخرى كثيراً ما تعاني من هيمنة الحرس الثوري ومؤسّساته المالية والإقتصادية الضخمة على التجارة والصناعة المعادن وكافة المشاريع الكبيرة في البلاد.

ولهذه الأسباب، لم يبقى أي خيار أمام الشعب الإيراني سوى النزول إلى الشارع للتعبير عن رفضه لفساد حكام طهران والإختلاسات المالية لكبار القادة واللعب بمصيره، و رفعت هتافات مناهضة ليس لحكومة روحاني فحسب، إنّما استهدفت أركان النظام ومقوماته لتحوّلها من الموت لروحاني إلى الموت لخامنئي والموت للدكتاتور واستهداف المدارس الطائفية المذهبيّة التي يستمد النظام الإيراني مشروعيّته منها.

وبالرغم من إعتمادالإقتصاد الإيراني على نفط وغاز دولة الأحواز العربيّة المحتلّة بنسبة تفوق التسعين بالمائة، إلّا أنّها تنال نصيب الأسد من الظلم والحرمان والإضطهاد والقمع المفرط لشعبها المنتفض بإستمرار، إذ قام المحتل الأجنبي الفارسي بقطع الماء والكهرباء عن عدّة مدن أحوازيّة كبرى كمدينتي المحمّرة وعبّادان، ممّا ألهب الجماهير الأحوازيّة فسيّرت عدّة مظاهرات مندّدة بالإحتلال ومطالبة بالتحرير والإستقلال، وشكّلت هذه المظاهرات، حافزاً كبيراً للعديد من المدن الأخرى ضمن جغرافية ما تسمّى بإيران لتقتدي بها في تنظيم المسيرات والمظاهرات التي يرجّح بأنها سوف تستمر حتى تهاوي النظام فسقوطه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى