مقالات كل العرب

نتنياهو يحاول استعادة الردع من بوابة جنين.. قراءة في مصلحة عسكرة العلاقة

أ. نسيم قبها

شارك

نتنياهو يحاول استعادة الردع من بوابة جنين

قراءة في مصلحة عسكرة العلاقة

أ. نسيم قبها

أوسع عملية أمنية إجرامية منذ سنة 2002 ، قامت بها دولة الإحتلال الصهيوني فجر الإثنين الثالث من تموز الحالي ، و استخدمت فيها قوات الاحتلال الغاشم قوى كبيرة من الآليات والمروحيات والمُسيّرات ونحو ألف جندي من قوات النخبة. وقامت بقصف المباني وهدم البيوت وتخريب الطرق بدعوى مطاردة المسلحين وتدمير أماكن تصنيع السلاح، ومنع جنين من العمل “كملاذ آمن” للمقاتلين الفلسطينيين.
وقبل الوقوف على سياق العملية، وظروفها وأهدافها، لا بد من الإشارة إلى أن تصاعد الاشتباكات في الضفة الغربية وغزة والعمليات الفدائية التي نفذتها فصائل المقاومة، والعمليات الأمنية الإسرائيلية والعدوان على أبناء فلسطين وعلى إيران وسوريا بالإضافة إلى تجميد مسار التطبيع العربي الإسرائيلي، لا ينفصل عن الشؤون الداخلية وتنافس القوى السياسية الإسرائيلية، وعن توتر العلاقة بين نتنياهو وإدارة بايدن التي استدركت على بعض جوانب (المسار الإبراهيمي) وسياسات ترمب، وذلك في ظل مساعي أميركا لكبح التوجه الإسرائيلي اليميني المتطرف، والذي يعيق المشروع الأميركي حيال رؤيتها لقضية فلسطين، وفي ظل أولويات الولايات المتحدة المرتبطة بالحرب الأوكرانية ونزاعها مع الصين، والتي يحاول نتنياهو اختراقها بتوتير الوضع في الشرق الأوسط للضغط على إدارة بايدن، وتغيير موقفها منه، وفتح الطريق له لمواصلة التطبيع، وبخاصة مع المملكة السعودية لتعزيز رصيده السياسي الداخلي، وذلك عبر تشغيبه في الملف الإيراني وتصعيده في الأراضي الفلسطينية.
كما لا بد من الإشارة إلى أن الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل ومن ذلك إعلان بلنكين دعم القبة الحديدية بمليار دولار، فضلًا عن كون هذا الدعم مسألة استراتيجية في صلب الأمن القومي الأميركي، إنما يهدف إلى احتواء إسرائيل وضبط سلوكها الذي قد يهدد المشروع الأميركي في الشرق الأوسط برمته. ولذلك أضاف بلنكين في معرض حديثه عن الدعم العسكري لإسرائيل قبل شهر بأن “اندماج إسرائيل في المنطقة يسهم في أن تكون المنطقة أكثر أمنًا واستقرارًا”، كما “يحسّن من فرص التوصل إلى حل الدولتين”. مضيفًا أن حل الدولتين “ضروري للحفاظ على هوية إسرائيل كدولة يهودية”.
وأما سكوت أميركا عن الغطاء السياسي والدعم المالي والدعم “العسكري المحدود” لفصائل المقاومة الفلسطينية من قبل الأطراف الإقليمية المرتبطة بها، فذلك لأجل الضغط على المجتمع الإسرائيلي وحكوماته المتطرفة وتوجهاتها التشغيبية والتصعيدية، ولإثبات أن الانسحاب والقوة العسكرية وحدهما لا يحققان الأمن لإسرائيل، وإنما يتحقق ذلك عبر اتفاقية سلام سياسي.
فالانسحاب من غزة لم يحقق لإسرائيل الأمن، بل عاد بمزيد من تطوير المقاومة لسلاحها وتكتيكاتها القتالية، وهو ما حصل ويحصل أيضًا في مدن الضفة وبخاصة نابلس وجنين. وربما لهذا السبب أخفت إسرائيل موعد هذه العملية الأمنية عن الولايات المتحدة خشية تسريبه للجانب الفلسطيني عبر وكلائها، كما فعلت في تسريباتها للعمليات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية لإيران، رغم أن إسرائيل أبلغت أميركا عزمها على تنفيذ هذه العملية المخطط لها مسبقًا.
أما ظروف هذه العملية الأمنية الجديدة في جنين ومخيمها، فقد جاءت في سياقات متعددة أهمها استعادة الردع بعد اشتباك القوات الإسرائيلية مع المسلحين في مخيم جنين في 20 حزيران/يونيو والتي أدت وبشكل غير مسبوق، إلى إعطاب آليات عسكرية إسرائيلية وإصابة عدد من الجنود الإسرائيليين بجروح، ودفعت الجيش لطلب مساعدة الطيران الإسرائيلي لإخلاء الجرحى. واستغرق الأمر ساعات طويلة حتى نجحت القوات الإسرائيلية في الانسحاب من المخيم وإخلاء الجنود وآلياتهم التي شهدت أضرارًا جسيمة. وعلى إثرها طالب الوزراء الأشد تطرفًا في الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ عملية عسكرية واسعة في جنين. ولهذا صرح وزير المال الإسرائيلي مؤخرا بأن الجيش بدأ باستعادة الردع وتصفية “الإرهابيين”؛ وهو ما يكشف عن أحد أهداف هذه العملية، وهو استعادة الردع والمحافظة على شعبية الحكومة في الشأن الأمني، الذي يُعد العنصر الأهم من عناصر كسب الأصوات الانتخابية. ولهذا السبب أيضًا، حاول رئيس الوزراء الصهيوني السابق يائير لبيد كسر احتكار نتنياهو وحكومته للخطاب الأمني المتعلق بتهديدات المقاومة الفلسطينية وإيران، وأثنى على تنفيذ الجيش عملية أمنية لتصفية من وصفهم بـ”الإرهابيين” مثلما أثنى على عدوانهم على غزة سابقًا.
وفي هذا الصدد ثمة تغيير إسرائيلي في قواعد الاشتباك والعودة إلى الاغتيالات التي انطلقت باغتيال قيادات من حركة الجهاد واغتيال المقاتلين في نابلس وجنين في الفترة الأخيرة، وهو ما أكده تقرير جديد نشره موقع “واللا” العبري، إذ أشار إلى أن المستوى السياسي في إسرائيل قرر تغيير قواعد اللعبة ضد المجموعات الفلسطينية المسلحة التي تخرج من جنين. وهو ما يعَدّ رسالة ردع لفصائل المقاومة الفلسطينية.
وأما السياق الآخر فيتعلق بتفعيل الحكومة الإسرائيلية للاستيطان في مناطق الضفة، وهو المسألة الأكثر تعويقًا للمسار السياسي المتمثل بـ”حل الدولتين”. حيث صادقت الحكومة الإسرائيلية قبل نحو أسبوعين على قانون لتسهيل بناء المستوطنات في الضفة الغربية. وهو ما دعا بريطانيا وأستراليا وكندا قبل أيام إلى مطالبة الحكومة الإسرائيلية بالتراجع عن قرار بالموافقة على إنشاء وحدات استيطانية جديدة في الضفة الغربية، في الوقت الذي أقرت فيه إسرائيل هذا الأسبوع بناء أكثر من 5700 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية. حيث قال وزراء خارجية بريطانيا وأستراليا وكندا في بيان مشترك، إن “التوسع المستمر في المستوطنات يشكل عقبة أمام السلام، ويؤثر سلبًا على جهود تحقيق حل الدولتين عبر التفاوض. ندعو حكومة إسرائيل إلى التراجع عن هذه القرارات”. فيما ظهر الاعتراض الأميركي من خلال تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ماثيو ميلر للصحافيين، بأن الولايات المتحدة “منزعجة بشدة” من القرار الإسرائيلي.
وبهذا المعنى فإن العملية الأمنية الجديدة التي ينفذها نتنياهو تندرج في سياق ترسيخ الواقع المتعلق بالاستيطان وعسكرة مسار العلاقة مع الفلسطينيين، وصرف الأنظار الخارجية عن سياساته الاستيطانية عبر التصعيد الأمني وتوسيع دائرة الصدام والعنف التي أدانها وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا والمملكة المتحدة وإسبانيا في بيانٍ مشتركٍ سابقٍ بقولهم: “ندين بشدة أيضًا العنف العشوائي الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون ضد المدنيين الفلسطينيين”. ويأتي ذلك كله وسط محاولات يائسة من طرف نتنياهو لانتزاع موافقة أميركية على لقائه مع الرئيس الأميركي، وهو اللقاء التقليدي ذو الرمزية السياسية المهمة، والذي لم يسبق أن تأخر 6 شهور على تولي رئيس وزراء إسرائيلي لمنصبه. حيث بلغ يأس نتنياهو من لقاء الرئيس الأميركي حدًا جعله يسعى لعقد لقاء مع الرئيس الصيني نكاية ببايدن وثنيه عن رفض اللقاء به.
وأخيرًا فإن نتنياهو وإن كان يستثمر في التصعيد مع إيران تارة ومع الفلسطينيين تارة أخرى لصرف النظر عن الاحتجاجات الموجهة لحكومته ولتصدير أزمته إلى الخارج عبر الاشتباك مع المقاومين الفلسطينيين، وعبر العمليات الأمنية والعسكرية في إيران وسوريا طوال فترة رئاسته. إلا أنه وفريقه الحكومي، إنما ينفذون أجندة إسرائيل القومية، وليس أجندة الولايات المتحدة ومصالحها، وهو الأمر الذي قاد إلى توتر العلاقة بينه وبين الإدارة الأميركية، والذي سرعان ما ينتهي بسياسة الأمر الواقع، فقد أثبتت السياسات التي انتهجتها حكومته قدرته على فرض سياسة الأمر الواقع على الإدارة الأميركية في أغلب الأحيان، وهو الأمر الذي شجعه على مزيد من التجاوز والمغامرات ، وما يزال .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى