معهد العالم العربي في باريس في مهب “ما بعد جاك لانغ”
معهد العالم العربي في باريس في مهب “ما بعد جاك لانغ”

أ.شاكر نوري
لم تكن استقالة جاك لانغ من رئاسة معهد العالم العربي مجرد إجراء إداري روتيني، بل كانت بمثابة “انتحار سياسي” على أنغام الفضيحة. فالمعهد، الذي ظل لسنوات “إقطاعية ثقافية” يصول فيها لانغ ويجول بوشاحه الأرستقراطي، وجد نفسه فجأة “يتيماً” من والده الروحي الذي سقط تحت مقصلة “ملفات إبستين”. الاستقالة القسرية التي جاءت بعد استدعائه لوزارة الخارجية، لم تكن لوداع بهي، بل كانت محاولة بائسة من الدولة الفرنسية لغسل يديها من “رائحة الكبريت” التي فاحت من علاقة لانغ بـ “ساحره” المفضل إبستين، خاصة بعد أن تبين أن “الحوار بين الثقافات” الذي كان ينادي به، قد شمل “حواراً مالياً” مريباً في جزر العذراء.
المصير الذي يواجه المعهد اليوم هو “اليتم الأخلاقي”؛ فالمبنى الذي صممه “جان نوفيل” بمشربياته الذكية التي تفتح وتغلق مع الضوء، باتت واجهته اليوم تبدو وكأنها “عيون مغمضة” خجلاً من تاريخ رئيسها. كيف يمكن للمعهد أن يستمر في تسويق “الجمال والقيم” بينما رئيسه السابق كان يتبادل رسائل “المودة والصداقة” مع رجل يدير “مسلخاً للبراءة”؟ لقد تحول المعهد في نظر المجتمع المدني من “منارة فكرية” إلى “غسالة سمعة” لنخبة كانت تظن أن الانغماس في الفن الحديث يمنحها حصانة ضد قذارة الأفعال الجرمية. التركة التي تركها لانغ ليست مجرد معارض فنية، بل هي “حقل ألغام” من الشكوك والتحقيقات المالية التي تطال عائلته مباشرة.
ما يزيد المشهد قتامة هو الظل الثقيل لـ كارولين لانغ، ابنة “الرئيس الخالد”، التي لم تكتفِ بالانتساب للنخبة، بل دخلت – حسب التقارير – في شراكات مالية مع إبستين تحت مسمى “دعم الفنانين الناشئين”. يا لها من كوميديا سوداء! أن يتحول “دعم الفن” إلى غطاء لـ “ميراث مسموم” بقيمة 5 ملايين دولار من وصية بيدوفيل دولي. هذا “الرابط العائلي” جعل من بقاء لانغ في منصبه مستحيلاً، وحوّل المعهد إلى “رهينة” في يد القضاء المالي الفرنسي. فكل لوحة عُلقت في عهد لانغ، وكل ندوة أُقيمت، باتت اليوم تُقرأ تحت ضوء 685 ذكراً لاسمه في “قائمة العار”، مما جعل المعهد بحاجة إلى “تعقيم فكري” شامل قبل أن يستعيد ثقة العالم العربي والغربي على حد سواء.
اليوم، يقف معهد العالم العربي أمام “تيه” حقيقي؛ فخلافة رجل مثل لانغ، الذي كان يختصر المؤسسة في شخصه، تبدو مهمة مستحيلة في ظل الظروف الراهنة. الدولة الفرنسية تبحث الآن عن “منقذ” لا يملك في أرشيفه رسائل “صداقة” مع شياطين جادة “فوش”، بينما يترقب الموظفون والجمهور مصير هذه المؤسسة التي تلوثت بالتبعية لـ “نخبة متغطرسة”. لقد انتهى عصر “الباشوية الثقافية” بنهاية مخزية، حيث أثبتت الأيام أن “هرم اللوفر” الذي بناه لانغ صامد، لكن “هرمه الأخلاقي” في معهد العالم العربي قد انهار وتحول إلى ركام من الورق الرسمي والفضائح العائلية التي لن يمحوها “سحر” الفن أو “بلاغة” الخطابات.
وأخيراً، قرر “قصر الإليزيه” ووزارة الخارجية (الكاي دورسيه) أن يفتحا النوافذ لتهوية “معهد العالم العربي”، بعد أن فاحت منه رائحة ملفات إبستين التي خنقت عطر البخور الباريسي. نحن الآن بصدد عملية “طرد أرواح شريرة” سياسية؛ فبعد “استقالة-إقالة” جاك لانغ، العراب الذي ظن أن كرسيه مخلد كأهرامات الجيزة، بدأت حمى البحث عن خليفةٍ يملك من “النقاء” ما يكفي لمحو سنوات “المخمل الملطخ”.
في السابع عشر من فبراير، سيجتمع مجلس الإدارة في جلسة “فوق العادة”، ليس لمناقشة معرضٍ للخط العربي، بل لدفن عهد “المايسترو” رسمياً. تخيلوا المشهد السريالي: جاك لانغ، بوشاحه الأيقوني وابتسامته التي لم تعد تستر العار، سيلقي “خطاباً قصيراً”. يا له من وداع! كأنها اللحظة التي يدرك فيها الممثل أن الستار سقط على رأسه، وأن الجمهور لا يصفق، بل يطالب بـ “إخلاء المكان” من رائحة الكبريت.
الأسماء المتداولة تخرج من “أكمام” السلطة كأوراق اللعب: آن كلير ليجيندر: مستشارة ماكرون لشؤون الشرق الأوسط. هل ستكون هي “المنظف” الذي سيمسح غبار “إيميلات” إبستين عن طاولات المعهد؟ فرانسوا غوييت: السفير السابق، الذي يُراد منه أن يكون “سدّاً منيعاً” يحول دون تسلل “الأشباح” مجدداً إلى الردهات.
الخارجية الفرنسية لا تبحث عن “مدير”، بل تبحث عن “ممحاة دبلوماسية”؛ شخصٍ يستطيع أن يبتسم في وجه سفراء الجامعة العربية السبعة دون أن يذكرهم بـ “الرحلات الخاصة” أو “الاستثمارات المشبوهة”. يريدون “قطيعة” مع سنوات لانغ، وكأنهم يحاولون إقناعنا بأن “المايسترو” كان يعزف وحده، ولم تكن الجوقة بأكملها تتمايل على أنغامه.
يقولون إن الداخل الجديد يجب أن يكون “جسراً بين السياسة والثقافة”. يا لها من استعارة مريضة في هذا السياق! فـ “الجسور” في عهد لانغ كانت تؤدي غالباً إلى “جزرٍ خاصة”، و”الثقافة” كانت أحياناً مجرد “طعم” في شباك السماسرة.
لقد أصبح المعهد، ذاك الصرح الذي صممه “جان نوفيل” ليعكس الضوء، مرآةً تعكس “الظلال”. والآن، يسابق الإليزيه الزمن ليجد وجهاً “يصلح للجميع”، وجهاً لا تظهر عليه علامات “الارتباك” حين يُذكر اسم “جيفري”.
يوم الثلاثاء، ستُرسل الدعوات، وسيُرفع النخب، وسيُعين الرئيس الجديد. سيمشي جاك لانغ خارجاً من المبنى الزجاجي للمرة الأخيرة، حاملاً معه أسراراً لن تنطق بها الجدران. سيبحث المعهد عن “رئة” جديدة، بينما تظل رائحة “إبستين” عالقة في السجاد الفاخر، تذكر العابرين بأن “الفن” في باريس كان أحياناً مجرد “غسالة” لسمعة من لا يشبعون.
لنتصور “بيان تخيلي” ساخر لما قد يقوله خلف جاك لانغ الذي تسلم إرث سلفه في أول يوم له في المعهد لغسل السمعة أمام موظفي معهد العالم العربي، وهو يحاول يائساً تنظيف السجاد الفارسي من بقع “الزيت” التي خلفتها طائرة إبستين:
بيان “التعقيم الثقافي” رقم (1): من خلف طاولات الرخام الملوثة
“أيها الزملاء المنكوبون، يا حراس الثقافة الذين استيقظوا ليجدوا أنفسهم في ‘جزيرة’ لا ‘معهد’…”
“أقف أمامكم اليوم، ليس لأتحدث عن الفن المعاصر، بل لأتحدث عن ‘الفن الحديث’ في الهروب من الفضائح. لقد غادرنا ‘الرئيس الخالد’، تاركاً لنا إرثاً ضخماً: 685 إشارة في ملفات إبستين، ووصية لمليارات الشياطين، وصندوقاً في جزر العذراء كان يُفترض – ويا لشدة براءتنا – أنه مخصص لترميم الروح، فتبين أنه لترميم حسابات الأبناء!”.
“سياستنا الجديدة: من ‘السحر’ إلى ‘الواقعية المرة’”
“لقد انتهى عهد ‘الرجل الساحر’. من اليوم، يُمنع استخدام كلمة ‘ساحر’ أو ‘جذاب’ لوصف أي ملياردير يملك طائرة خاصة. أي ضيف يزور المعهد سيخضع لتفتيش دقيق، ليس بحثاً عن أسلحة، بل بحثاً عن أي علاقة صداقة قديمة مع جيفري أو جيسلين. إذا رأيتموني أبتسم في صورة مع شخص يرتدي بدلة أغلى من ميزانية معرضنا القادم، أرجوكم… اصفعوني فوراً!”.
“إعادة تعريف ‘المشربيات’”
“واجهة المعهد التي صممها جان نوفيل ستتوقف عن ملاحقة الشمس، وستبدأ بملاحقة ‘الحقيقة’. لقد كانت تلك المشربيات تنغلق لتمنح ‘الخصوصية’ لنخبة كانت تظن أن الجدران لا تملك آذاناً. من اليوم، سنفتح النوافذ على مصراعيها، ليس لدخول الهواء الباريسي، بل لخروج رائحة العطور الثقيلة التي كانت تغطي على ‘عفن’ الصفقات المشبوهة”.
“رسالة إلى ‘الأصدقاء’ في جزر العذراء”
“نقول لكل من ينتظر ميراثاً أو يبحث عن ‘تمويل لفنانين ناشئين’ عبر صناديق “الأوفشور” أو الصناديق العابرة للحدود . معهد العالم العربي ليس ‘مغارة علي بابا’، ونحن لسنا الأربعين حرامي. لقد قررنا استبدال ‘السجاد الأحمر’ بـ ‘ممسحة أرجل’ كبيرة كُتب عليها: (ممنوع دخول أصدقاء السحرة). ونطمئن جيراننا في جادة فوش، أننا سنكتفي بزيارة ‘اللوفر’ لمشاهدة الآثار، لا لتنظيم حفلات ذكرى سنوية مع مدانين بجرائم جنسية”.
“الخاتمة: لننظف ‘الهرم’ من الداخل”
“أيها السادة، إن ‘الهرم’ الأخلاقي الذي انهار فوق رؤوسنا لن يُبنى بالخطابات البلاغية التي كان يتقنها سلفي بوشاحه الحريري. سأبدأ اليوم بمسح الغبار عن مكتب ‘الرئيس السابق’، وسأبحث في الأدراج؛ ليس عن مسودات كتب فلسفية، بل عن أي ‘دفتر عناوين’ قد يحتوي على أقسام مشبوهة بعنوان ‘مساج’. دعونا نعيد للمعهد وقاره، وللعرب ثقافتهم، وللأطفال براءتهم التي حاول ‘المثقفون’ يوماً مقايضتها بقبلة فرنسية مسمومة”.




