الجودو التونسي تحت المجهر: نجاحات تعانق الذهب وصعوبات تكسر الأبطال

الجودو التونسي تحت المجهر: نجاحاتٌ تُعانق الذهب وصعوباتٌ تكسرُ الأبطال

أ. رجاء السنوسي
بينما تلمع الميداليات الذهبية تحت أضواء منصات التتويج، تقبع في الظلال حكايات من القهر والضغط النفسي والمادي. اليوم، نكسر جدار الصمت مع بطلة لم تهزمها الخصوم على “التاتامي”، بل وجدت نفسها، حسب قولها، عاجزة عن الاستمرار داخل مناخ لا يحمي كرامتها. شيماء الصيداوي، بطلة إفريقيا، تضع حزامها جانبًا وتتحدث عن واقع الرياضة.
“شيماء صيداوي هي لاعبة جودو تونسية وبطلة إفريقية، تُوّجت ببطولة إفريقيا للأصاغر سنة 2019، وبطولة إفريقيا للأواسط سنة 2024، كما أحرزت المركز الثالث في بطولة إفريقيا للأكابر سنة 2025”.

“لم أُضحِّ بحلمي”… قرار التوقف
في ردّها على سؤال: لماذا قررتِ التضحية بحلمكِ الرياضي في قمة عطائكِ؟، تقول شيماء الصيداوي:
«لم أضحِّ بحلمي، بل أُجبرت على التوقّف لحماية نفسي وكرامتي. لا يمكن لأي بطلة، مهما بلغت من الإنجازات، أن تواصل العطاء في مناخ يسوده الضغط، الإقصاء، والإهانات، والتهديد بمستقبلها الدراسي. حين تُغلق كل أبواب الحوار، يصبح الدفاع عن الحقوق واجبًا، وليس خيارًا.»
تصرفات فردية أم نمط متكرر؟ وعن طبيعة ما تعرضت له، هل هو سلوك فردي أم أعمق من ذلك، تجيب:
«ما حدث معي ليس حالة معزولة. حين تتكرر نفس الممارسات، وحين يُمارَس العنف دون محاسبة، مهما كان عنفًا لفظيًا أو جسديًا.»

بطلة إفريقيا… براتب 250 دينار
في الجانب المادي، تطرح شيماء واقعًا تصفه بالصعب:
«لا يمكن ذلك. 250 دينار لا تكفي للعيش، فكيف بالإعداد البدني؟ لا يكفي حتى لشراء مكملات غذائية. أمّا اقتطاع راتبي، فقد تمّ دون أي تبرير.»
الرسالة الأخيرة
وعن رسالتها اليوم، تقول شيماء:
«رسالتي واضحة: لا يمكن بناء أبطال بالميداليات فقط، بل بحماية الإنسان قبل الرياضي. الكرامة، الشفافية، والأمان النفسي ليست مطالب ثانوية. من دونها، سنواصل خسارة الطاقات واحدة تلو الأخرى بصمت. رسالتي الأخيرة أن يتم تحويلي إلى القيروان لإكمال دراستي، وأن أبدأ علاجي للتعافي من الأضرار النفسية التي تعرضت لها.»
وجهة النظر الأخرى: رد مدرب المنتخب
في المقابل، وفي إطار حق الرد، فنّد أنيس الونيفي، مدرب المنتخب الوطني، هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، مؤكّدًا أنّ الانضباط داخل الفريق هو المعيار الأول الذي يحدد عمل النخبة الرياضية، وأن أي خروج عن القواعد المعتمدة في التربصات، مثل مغادرة الفندق دون إذن رسمي، يُعامل بصرامة حفاظًا على وحدة الفريق. وشدّد الونيفي على أنّ الإجراءات المتخذة بحق اللاعبة كانت ضمن اللوائح الداخلية والإطار القانوني المتبع، نافياً وجود أي استهداف شخصي أو تجاوز مالي، واعتبر أنّ النجاح الذي حققه المنتخب، بما في ذلك تتويجات شيماء نفسها، يعكس جودة العمل الفني والإداري للفريق. وبيّن أنّ توقيت هذه الاتهامات، في ظل النجاحات الأخيرة، قد يُفهم على أنّه محاولة لتشويش صورة الإطار الفني والإداري أمام الرأي العام.
وفيما يخص الجانب المادي، أشار الونيفي إلى أن الميزانيات مرصودة وفق المنح القانونية المتاحة، نافياً وجود أي تجاوز مالي، ومشدداً على أنّ الانضباط والالتزام بالقواعد هي الأسس التي يقوم عليها عمل الفريق، وأن أي إجراءات تهدف للحفاظ على وحدة المنتخب واستمرارية نتائجه الدولية.
أميرة بن عياد.. “الهروب” كخيار وحيد للنجاة
قصة شيماء ليست حالة معزولة، بل هي “عدوى قهر” طالت زميلتها أميرة بن عياد (وزن 48 كلغ). أميرة التي ذاقت طعم الجوع والبكاء والريجيم القاسي لتشريف تونس، وجدت الأبواب موصدة أمامها بقرارات إدارية “مغلقة” لا تعترف بالكفاءة بل بالمحسوبية.
اختارت أميرة “الهجرة” والبدء من الصفر في إيطاليا، تاركة خلفها دراستها وأمها المريضة. والنتيجة؟ بمجرد أن وجدت “الاحترام والتقدير” في الغربة، حصدت 3 ميداليات ذهبية في 3 مباريات. تقول أميرة من مهجرها:
«الاحترام أفعال لا أقوال.. اليوم أحكي بصوت عالٍ لأن الرياضة تتدمّر بالسكوت وبالمعارف.»
الابتزاز بالمستقبل: حين يصبح التعليم “ورقة ضغط”
لم تكتفِ المنظومة بالضغط المادي، بل امتدت يد الابتزاز لتمس مستقبل شيماء الدراسي. حُرمت من متابعة دراستهاوأُجبرت على التدريب في فترات الامتحانات تحت التهديد بالطرد من السكن الأولمبي والمدرسةولعلّ أقسى ما ذكرته هو إجبارها على اللعب وهي مصابة في 2025، ثم تركها تواجه آلامها دون أي متابعة طبية أو علاج، في مشهد يختزل النظرة للرياضي كأداة للنتائج لا كإنسان له حقوق.

بين تمسك الإطار الفني بلغة ‘الانضباط’ واعتبار صرخات اللاعبات مجرد ‘مغالطات’، وبين رواية شيماء التي توثق ‘ابتزازاً’ طال لقمتها ودراستها، تبرز فجوة لا تمحيها التبريرات الإدارية. وإذا كان ‘الانضباط’ هو المسطرة التي يُقاس بها ولاء الرياضي، فبأي مسطرة نقيس ‘كرامة بطلة’ تُطالب بالذهب براتب لا يكفي ثمن حذاء رياضي؟
إلى متى سيبقى الرياضي التونسي يستنزف عرقاً وجهداً ليحصد الميداليات، دون مقابل يحفظ إنسانيته؟ فالمواطنة الحقيقية هي عقدٌ من الكرامة المتبادلة، وليست تضحيةً من طرف واحد فرغم أنّ رفع الراية الوطنية يظل عقيدة راسخة في القلب والرياضة هواية تجري في الدم، إلا أن الحب وحده لا يبني بطلاً يعاني العوز.
ويبقى السؤال المطروح: هل نحن أمام أزمة موارد مادية حقاً، أم أنها أزمة إدارة تتقن فن “الانضباط” لتبرير صمتها عن الحقوق، وصنع أبطالٍ تنتهي صلاحيتهم بمجرد نزولهم عن منصة التتويج؟





