المواطن السوداني و إعادة الإعمار

المواطن السوداني وإعادة الإعمار
د. علي عبدالقادر
يُعدّ المواطن السوداني أساس الدولة السودانية ومصدر شرعيتها، فالدولة لا تقوم على إكراه الشعب بالقوة العسكرية أو الأمنية، ولا على الشعارات واللافتات المرفوعة على المباني، وإنما تقوم على احترام كرامة الإنسان. وهذا الاحترام لا يتحقق إلا برضا المواطن عن الأطر التنظيمية والسياسية التي تُخوِّله حق تفويض السلطة ومنحها الشرعية.
وشرعية السلطة هي “الصفة القانونية والأخلاقية التي تبرّر تولّي الحكام لمهامهم وممارستهم للسلطة”، ولذلك ينبغي أن تنشأ هذه الشرعية من اختيار المواطن ورضاه، لتدخل حينها في إطار العقد الاجتماعي أو البيعة.
وعليه، لا يمكن لأي جهة أن تعتلي موقع السلطة أو تمارس الحكم دون قبول وتفويض شعبي، ووفق شروط وصلاحيات محددة. كما يجب على كل سلطة أن تقبل بحق المواطنين في مساءلتها ومحاسبتها بالطرق القانونية، بل وإزاحتها بالوسائل السلمية متى ما خرقت العقد الاجتماعي أو نقضت البيعة. وهذا يؤكد أن الشعب ليس تابعًا للدولة، بل إن الدولة وُجدت لخدمة الشعب. وحين تصادر السلطة حقوق المواطنين، فإنها تصبح سلطة مارقة على القانون، فاقدة لشرعيتها.
وعندما يعي المواطن السوداني أنه مصدر الشرعية وأصل الدولة، يدرك أن صلاح الدولة وفسادها يبدأ منه وينتهي إليه، مع بقية أفراد الشعب. ويبدأ دوره في الإصلاح من الأسرة، ثم الحي، فمكان العمل. وأول أدواره يتمثل في بث الروح الوطنية، وتعزيز قيم الانتماء للوطن الواحد، وهو ما يستوجب التعاون والتلاحم الوطني، والتمسك بالهوية السودانية الجامعة، ونبذ كل أشكال الكراهية والجهوية والقبلية والعنصرية، ورفض الفساد الإداري والأخلاقي.
ويتحقق ذلك عبر النشاطات الثقافية والاجتماعية والسياسية السلمية، على مستوى القرى والأرياف والمدن، أي من خلال المشاركة الفاعلة والمسؤولة في حمل الهمّ الوطني.
وفي ظل الأوضاع العصيبة التي يمر بها السودان عمومًا، والأقاليم المتأثرة بالحرب على وجه الخصوص، لا بد من الالتفات إلى الجانب الاقتصادي. فقد فقدت الغالبية العظمى من المواطنين ممتلكاتهم ومصادر أرزاقهم، وحتى من لا تزال تصلهم رواتبهم من الدولة، فإنها ضعيفة ولا تضمن حياة كريمة. أما ما يُشاع عن زيادات في الأجور، فلن يكون كافيًا لمواجهة تكاليف المعيشة اليومية.
وقد دفع هذا الواقع الكثيرين إلى اكتساب مهارات جديدة، لا سيما في مجالات الزراعة، وتربية المواشي والدواجن والأسماك، وهو توجه إيجابي في حد ذاته، لكنه يحتاج إلى تطوير من خلال إنشاء شراكات وتعاونيات مع الأصدقاء والأسرة والجيران، بهدف زيادة الإنتاج. كما يتطلب الأمر تطوير الخدمات المساندة، مثل الخدمات اللوجستية للنقل والتخزين، وإنشاء مطاحن الدقيق، ومعاصر الزيوت، ومشاريع تعليب وتغليف الألبان وغيرها.
كما يمكن لفئات أخرى، لا سيما الشباب، التوجه نحو تجويد الحِرَف المهنية، مثل البناء، وأعمال الصيانة (الكهرباء، السباكة، الميكانيكا)، والحرف اليدوية كصناعة الطوب الحراري، وبيع وتأجير الآلات ومواد وأدوات البناء، إضافة إلى المشاريع الرقمية كخدمات الطباعة، والتصوير، والتسويق الإلكتروني.
ويعلم الجميع أن المغتربين والمهاجرين السودانيين كانوا، ولا يزالون، سندًا لأسرهم وجيرانهم وأصدقائهم عبر سنوات طويلة، وقد ازداد هذا الدعم خلال سنوات الحرب. وعلى الرغم من صعوبة الأوضاع الاقتصادية في دول الاغتراب، يظل المغترب والمهاجر «جمل الشيل»، ويمكنه الإسهام بفاعلية في تمويل المشاريع الصغيرة والإنتاجية، وخلق فرص عمل داخل السودان، فضلًا عن نقل الخبرات الإدارية والتقنية التي اكتسبها إلى الداخل لتطوير هذه المشاريع.
ومن جانبها، ينبغي على الدولة، في ظل هذه الظروف القاسية، أن تضطلع بدورها في دعم المواطن وتشجيعه على الاستثمار في المشاريع الصغيرة، عبر دعم التمويل الأصغر، وتقديم منح البداية للمشاريع الإنتاجية، وتوفير قروض ميسّرة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتقليل الرسوم، وخفض الضرائب، ومنع الجبايات غير القانونية والابتزازية. كما يجب عليها تحسين الإمداد الكهربائي، خاصة في مناطق الإنتاج، وتطوير البنية التحتية من طرق واتصالات، فضلًا عن وقف استيراد المنتجات الأجنبية لحماية المنتج المحلي.
وختامًا، على المواطن السوداني أن يأخذ مشروع إعادة الإعمار بيده، وألا ينتظر أن تقوم الدولة وحدها بالتفكير والعمل نيابة عنه. فالمواطن هو مصدر الشرعية، وأصل الدولة، وحامي حمى الوطن، وصانع وحدته، ومحرك عجلة الاقتصاد، وباني المستقبل، “بقدر ما ينهض المواطن بوعيه، والتزامه، وإنتاجه، ينهض السودان ويتعافى، فالأوطان لا تُبنى بالسلاح ولا تُحفظ بالقوة، وإنما تُشيَّد بالعلم، والعمل، والعدل، والإرادة الحية لشعب يؤمن بوطنه ويصنع قدره بيديه”.




