صحيفة (الرياض) تلفظ انفاسها الاخيرة!!!

صحيفة (الرياض) تلفظ أنفاسها الأخيرة!!
د. علي القحيص
أتذكّر صحيفة “الرياض” السعودية عام ١٩٩١، في مبناها القديم بالملز، حين دخلت مكتب الراحل الكبير فهد العلي العريفي، مدير عام المؤسّسة، وتكاد لا ترى نصف جسمه من كثرة الكتب والأوراق أمامه وهو غارق فيها، بمكتب متواضع صغير جدًّا، على الرغم من حجمه الكبير وتاريخه الطويل وإنجازه الأكبر، والذي كان مخلصًا ووفيًّا للمؤسّسة التي أدارها بأمانة وإخلاص.
حتى أصبحت أقوى وأغنى صحيفة يومية ليس بالمملكة، بل بالعالم العربي كلّه
بحجم ايراداتها من الإعلانات، وليس من أرقام البيع أو التوزيع.
واليوم يغلق صدورها الورقي، ولا أعرف لماذا اختاروا هذا التاريخ أصلًا؟
المهمّ عدت إلى زيارة الأستاذ فهد العريفي” رحمه الله” حين انتقل إلى المبنى الجديد الحالي، وكان مكتبه كبيرًا، ولكنّه فضّل أن يجلس في مكتب السكرتير، وجعل المكتب الرئيسي للسكرتارية، وهو أول ما يستقبل المراجعين والموظّفين.
يدخل قبل الموظّفين، ويخرج بعدهم.
حينها أقنعني بالعمل في صحيفة (الرياض)، وكنت أعمل في صحيفة الوحدة الإماراتية.
واتصل بالأستاذ تركي السديري، وأخذ رسوماتي، وأرسلها لأبو عبد الله مع الفراش.
اتصل فورًا، وقال: يا أبو عبد العزيز، خلّه يجيني بسرعة فوق.
وأول مره أشوف فيها الراحل تركي السديري، وكنت طويلًا نحيفًا في تلك المرحلة، قريبًا من هيئة عبد السلام الهليل الحالي.
أول ما رآني قال:” مبين رسام كاريكاتير “، قلت له:” وأنت مبين رئيس تحرير”. قال: كيف؟ قلت: مبناكم ليس مبنى (جريدة)، هذا فندق خمسة نجوم!
قال: يلا انضم معانا بالفندق بسرعة، وحط الراتب اللي تبيه.
قلت: أرجو أن تمنحني فترة شهر، وألتحق بكم، قال: حسنًا متفقين.
استمريت أعمل في الصحيفة مدّة ٣٠ عامًا، على الرغم من المطبات والتوقيف عن الرسم، ولكن تركي السديري قال لي: لن نفرط بكم أبدا، لأنّك رجل مؤدّب وخلوق ومستقيم، وأقولها صدقًا.. نحن في شهر رمضان لم ألتق صحفيًّا واحدًا مثل طريقتك وأسلوبك وأخلاقك وذوقك.
وكلّ فترة يزيد راتبي دون أن أطلب منه، حتى صار راتبي كراتب مدير تحرير.
واستمررت صادقًا ووفيًّا للعريفي والسديري إلى الآن رحمهما الله، فقد غيّرا حياتي رأسا على عقب، وكانا خير الأخوين والزميلين والصديقين معًا حتى أحلت للتقاعد.
وقداستطعت أن أحصل للصحيفة حوالي ١٢ جائزة تقديرية، وأجلب من الإمارات للصحيفة إيرادات (35) مليون ريال، في أثناء إدارتي لمكتب دبي الإقليمي.
أصررت على ألا آخذ ريالّا واحدًا (عمولة) مقابل الإعلانات، وكنت أوزع عمولات المكتب على الزملاء الذين يعملون معي.
ولمّا أنهيت خدماتي، وجدوا إعلانًا واحدًا غير مدفوع لمعلن سعودي قد توفّي، عليه (٢٥) ألف ريال، وقلت لهم: أنا أدفعه، وأبرّئ الرجل المتوفّى.
لكنّ المعضلة المؤلمة أنّ المحاسبة وجدوا على مكتب دبي، 2 كيلو من (سكر الشاي) لم تسجّل بفاتورة.
قلت لهم: سوف آتي لكم بخيش من السكر الفاخر، وأضعه بجانب النافورة أمام المؤسّسة، الذي قال في حينها أحد الإعلاميين الكبار لتركي السديري، رحمه الله:
أزل المجسّم والنافورة اللي قدامك، وضع تمثالًا لعلي القحيص!
وحين تركت صيفة (الرياض)،
وتاريخها الطويل، لم تكرّم بعض مبدعيها الأفياء لها، بل نسيتهم في (طي الورق)! حينها لم ينشروا حتى خبر أنّ زميلهم غادر العمل ليخلد للراحة، ولا حتى كتاب شكر، بل يرفضون أيّ مقال أنشره!
لكن الحمدالله خرجنا في بياض الوجه وسمعة نزيهة طيبة ونظيفة، وهذه جائزة كبرى ليس لها ثمن أبدًا، وهي أغلى ما أملك.
وداعًا يا صحيفة (الرياض) التي سرقت منّا نصف العمر، وتركت لنا الضغط والسكر والعصبية وضعف النظر!
على الرغم من إيقاف طباعتها، ولكن تيقى تجربة ثرية وغنية ومدرسة صحفية عملاقة، خرّجت ودرّبت وعلّمت الكثير من الكتاب والأدباء والصحفيين والرسامين الذين أصبحوا نجومًا وأسماء كبيرة.
للأسف البعض منهم نسوها، بل نسوا حتى العلاقة بزملائهم، لا يسألون ولا يتواصلون بهم، وكأنّهم بدأوا، وانتهواب(تركي السديري) ،الربان الذي قاد هذه السفينة وسط أمواج عالية، تتلاطم من حولها الأحداث، حتى أوصلها إلى برّ الأمان قبل أن تجهض تجربتها الثرية وتوقف! وحين مرض تركي السديري، رحمه الله، مرضت، وحين أعياه المرض أصيبت بمرض الرعاش والصرع والخمول.
وحين توفّي، ورحل هي أيضًا أخمدت في مهدها وصمتت صمت القبور.
لا نقول وداعًا لأنّها طوت أوراقها الذي تشربنا رائحتة واصبح دمنا حبرا، وتوقّفت عن الصدور، بل سوف تبقى أرشيفًا كبيرًا وغنيًّا بالمعلومات والوقائع والصور.
رفعت الأقلام، وجفّت الصحف!!
كاتب صحفي سعودي




