سد مروي: القصة من الميم للياء

سد مروي : القصة من الميم للياء
أ. المعز محمد الحسن
– مصر تكافئ السودان على اقصاء الترابي عبر استقطاب القروض العربية للمشروع
– كيف أنقذ عقد التوربينات ألستوم من حافة الإفلاس
– البنك الدولي في 2011 : السودان يصرف 6 % من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً على مشاريع البنية التحتية
صاحب تشييد وتشغيل سد مروي حملة من الكتابات المضادة التي كان بعضها يشكك في جدوى المشروع، وبعضها يزعم وجود عيوب في التصميم وخلل في التوربينات وغير ذلك. وخلق ذلك حالة عامة من التشكك تجاه هذا المشروع، على الرغم من أن الكثير من هذه الكتابات لم تكن تعتمد على دراسات منهجية، والكثير منها لا يعدو أن يكون هذياناً سياسياً. وعاودت هذه الحملة الظهور بعد الحرب وعند كل مشكلة تحدث في السد. المفارقة أن الحرب أثبتت أن سد مروي، من الناحية الاستراتيجية، يعتبر أهم مشاريع الطاقة في السودان، وظل يؤمن حدا أدنى لإمداد الطاقة في ظل انهيار قطاع التوليد الحراري. ومؤخراً، تابع السودانيون باهتمام وقلق حادثة خروج محطة كهرباء سد مروي عن الخدمة بسبب الحريق الذي اندلع في أحد خطوطها بداية أغسطس، وتسبب في تلف كبير في خطي التغذية الرئيسيين. هذا الاهتمام الكبير منشؤه زيادة الاعتماد على السد في التوليد الكهربائي بعد الحرب وما يترتب على خروجه من الخدمة من اضطراب كبير في الإمداد.
عندما بدأت أعمال تشييد سد مروي (2003-2005)، كان إنتاج الكهرباء في السودان يتراوح بين 850 و1000 ميغاواط، معظمها من التوليد الحراري، وكان التوليد المائي في حدود 270 ميغاواط، يساهم فيها خزان الرصيرص بحوالي 240 ميغاواط ارتفعت إلى 280 ميغاواط مؤخراً بعد التعلية، والبقية من خزان خشم القربة، حوالي 18 ميغاواط، وخزان سنار بطاقة 15 ميغاواط. بعد اكتمال تشغيله في 2010، أضاف سد مروي 1250 ميغاواط، تعادل أكثر من 450 % من طاقة التوليد المائي سابقا وأكثر من 125 % من إجمالي التوليد قبل السد. وأصبح القسم الأكبر من استهلاك الكهرباء من التوليد المائي بتكلفة تعادل ربع تكلفة التوليد الحراري. وقد ورد في تقرير للبنك الدولي عن البنية التحتية في أفريقيا، صادر في عام 2011:
“تضاعفت القدرة المركبة لتوليد الكهرباء في السودان ثلاث مرات بين عامي 2005 و2007. وارتفعت من 801 ميغاواط في عام 2005 إلى نحو 2687 ميغاواط في عام 2009. وبالمقارنة مع الدول الافريقية، تتجاوز القدرة المركبة في السودان بكثير ما أقامته الدول منخفضة الدخل من قدرات توليدية، لكنها تظل أقل من مستويات الدول الغنية بالموارد. في عام 2005، كان نحو 70 % من الكهرباء يولد بواسطة المحطات الحرارية، بينما كان نحو 20 % يولد من مصادر الطاقة الكهرومائية. إلا أن هذه النسب شهدت تغيراً منذ عام 2005، فمع إنشاء محطات جديدة لتوليد الطاقة الكهرومائية، تحول مزيج التوليد إلى 55 % من الطاقة الكهرومائية و45 % من الطاقة الحرارية.”
وقد أنجز هذا المشروع العملاق خلال فترة شهد فيها اقتصاد السودان نمواً كبيراً بفضل الثروة النفطية. فحسب نفس التقرير، “نما الاقتصاد في جميع أنحاء السودان بمعدل 6 % للفرد سنوياً خلال الفترة بين عامي 2003 و2007. وكان نموه أقوى من نمو عدد من الدول النظيرة له في شرق افريقيا، التي سجلت نموا قدره 4 % للفرد سنويا خلال الفترة نفسها.”
وخلال تلك الفترة خصصت الحكومة قسما كبيراً من الميزانية، بالإضافة للقروض الخارجية، للصرف على العديد من مشاريع البنية التحتية. يقول تقرير البنك الدولي:
“ينفق السودان بالفعل نحو 1.5 مليار دولار سنوياً على البنية التحتية، أي ما يعادل نحو 6 % من الناتج المحلي الإجمالي. ويتكون ثلثا إنفاق السودان من الاستثمارات، حيث تمثل التمويلات الصينية 40 % من تمويل الاستثمارات. كما أن الاستثمار الخاص في البنية التحتية السودانية كبير أيضا، إذ يمثل 23 % من إجمالي الاستثمارات، في حين أن المساعدات الإنمائية الرسمية (ODA) تكاد تكون معدومة. وعلى خلاف الدول المماثلة له، يتركز الإنفاق الرأسمالي للسودان على البنية التحتية بدرجة كبيرة في قطاع الكهرباء.”
بداية القصة: الدور المصري في استقطاب التمويل العربي للسد
بعد محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا في 1995، وصلت العلاقات بين السودان ومصر لأسوأ حالاتها بسبب اكتشاف المخابرات المصرية ضلوع تننظيم الجبهة الإسلامية في التخطيط لعملية الاغتيال. وكان للحكوومة المصرية دور كبير في العزلة الدولية التي فرضت على نظام الإنقاذ، وفي حمل الولايات المتحدة على فرض عقوبات اقتصادية على نظام الإنقاذ وتصنيف السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب. وفي نفس الوقت كانت دول الخليج تزن علاقاتها مع الأنظمة السودانية، إلى حد كبير، وفقا للموقف المصري من السودان. ووظفت مصر علاقاتها بدول الخليج من أجل حجب أي دعم اقتصادي لنظام الإنقاذ في السودان. ولم تجد مصر صعوبة في ذلك، إذ لم تكن حكومات الخليج قد نسيت تأييد حكومة الإنقاذ للغزو العراقي للكويت في 1990. وهو قرار يصعب تفهم دوافعه، فالسودان كان قد حصل في عام 1987، أي قبل الغزو بعامين فقط، على قرض من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، بقيمة 29 مليون دولار لتمويل حزمة من مشاريع تطوير قطاع الكهرباء، كانت تشمل توسعة الشبكة القومية وبناء محطات للتوليد. علماً بأن الكويت هي أكبر مساهم في رأس المال التأسيسي للصندوق، الذي يقع مقره في الكويت أيضاً. وكان القرض يمثل أكثر من 25% من تكلفة المشروع.
لكن ما لبث أن تغير هذا الوضع بصورة غير متوقعة. ففي ديسمبر من العام 1999، أعلن الرئيس عمر البشير حل المجلس الوطني، وتبع ذلك أحداث المفاصلة بين الرئيس عمر البشير والترابي وإقصاء الأخير من السلطة. وبعد أقل من شهر من ذلك، كان الرئيسان عمر البشير وحسني مبارك يعلنان من القاهرة إعادة تطبيع العلاقات بين مصر والسودان بعد سنوات من القطيعة، وانخرطت مصر عبر وزارة خارجيتها بقيادة عمرو موسى في اتصالات مع الدول العربية للتمهيد لسلسلة من الجولات العربية التي قادها وزير الخارجية السوداني مصطفى عثمان إسماعيل من أجل إعادة السودان إلى المحيط العربي وتطبيع العلاقات مع دول الخليج. كان تمويل سد مروي إحدى ثمرات هذا الجهد الدبلوماسي المشترك. وبين عامي 2002 و2003 وقع السودان عدة قروض بشروط ميسرة لتمويل إنشاء السد الذي بلغت تكلفته الابتدائية 2.1 مليار دولار. كانت تفاصيل هذه القروض كالاتي: 608 ملايين دولار من بنك الاستيراد والتصدير الصيني، 477 مليون دولار من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي، 215 مليون دولار من الصندوق السعودي للتنمية، 200 مليون دولار من الصندوق الكويتي للتنمية، 200 مليون دولار من صندوق أبوظبي للتنمية، 106 ملايين دولار من صندوق عمان للتنمية و15 مليون دولار من قطر لتمويل الأعمال الخيرية. ساهمت هذه القروض مجتمعة في تغطية حوالي 85% من تكلفة المشروع لتكمل حكومة السودان بقية التمويل.
وانطلقت أعمال بناء السد فعليا في 2003. وفي عام 2008 ظهرت فجوة تمويلية بقيمة 543 مليون دولار نتيجة لزيادة تكلفة المشروع، وفي مارس من نفس العام وقع السودان على قرض إضافي من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بقيمة 215 مليون دولار، وساهم في تمويل بقية المبلغ الصندوق السعودي للتنمية والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية وصندوق أبوظبي للتنمية، بالإضافة لحكومة السودان أيضاً. وفي نفس العام بدأ التشغيل التدريجي لتوربينات التوليد، ليبلغ المرحلة الكلية في عام 2010. هناك اختلاف في المصادر حول النسبة التي تحملتها حكومة السودان والراجح أنها بلغت 40 % من التكلفة النهائية. وأنوه هنا إلى أن المبالغ المذكرة قد يكون فيها اختلافات طفيفة ناتجة عن اعتماد الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي للدينار الكويتي في تقاريره فكان لابد من تحويل القيمة للدولار باعتماد سعر الصرف الساري وقت توقيع القروض.
العقد الذي انتشل ألستوم من حافة الإفلاس
وقع الاختيار على شركة ألستوم الفرنسية لتوريد توربينات التوليد الكهربائي. تم توقيع العقد في 2003، واشتمل على عشرة توربينات بطاقة 125 ميغاواط للتوربين الواحد وإجمالي 1250 ميغاواط. بلغت القيمة الكلية للعقد 300 مليون دولار، تشمل التوربينات (250 مليون دولار) وأنظمة التحكم. وكان ذلك أكبر عقد تحصل عليه ألستوم في ذلك العام وبمثابة نجاح كبير لألستوم التي كانت تعاني من أزمة مالية حادة هددت بقاءها، وكان ضربة البداية لخطة تعافي الشركة حسب تصريحات مسؤولي الشركة نفسها.
عقب اكتمال التشغيل الكامل للسد، برزت خلافات بين الحكومة السودانية وشركة ألستوم بسبب عدم التزام الحكومة بجدول سداد مستحقات الشركة المتفق عليه في العقد، وعلى الرغم من ذلك، كانت الأمور تسير بشكل جيد حتى عام 2013. وتم سداد القسم الأكبر من المستحقات، ولم يتبق سوى مبلغ 14 مليون دولار. لكن الحكومة توقفت بعد ذلك عن السداد. وعلى الرغم من إقرار الحكومة بتلك المديونية، إلا أنها كانت تأخذ على الشركة إخلالها ببعض شروط العقد فيما يتعلق بزمن التسليم، وأيضا عدم الالتزام بتنفيذ الطبقة الواقية للتوربينات (soft coating)، وهي طبقة حماية خاصة تغلف بها الأجزاء المعرضة للصدأ والتآكل في التوربينات. وحسب وزارة الكهرباء، فإن تفضيل ألستوم لتنفيذ العقد كان بسبب هذا الشرط تحديداً. حيث كانت التكلفة التي قدمتها ألستوم لتلك العملية تبلغ 8 ملايين دولار، بينما بلغت في عروض الشركات الأخرى أكثر من 30 مليون دولار. ويبدو أن الشركة واجهة تعقيدات فنية في القيام بهذه العملية في حدود التكلفة التي قدمتها، فقد فشلت عدة محاولات لتنفيذها، فيما عدا توربين واحد. خلال تلك الفترة دخل السودان في أزمة مالية بسبب انفصال جنوب السودان وفقدان قسم كبير من عائدات النفط الذي ذهب 75 % من مخزونه إلى دولة جنوب السودان.
باءت كل محاولات ألستوم للحصول على القيمة المتبقية من العقد بالفشل. وفي فبراير من عام 2015، استحوذت شركة جنرال إلكتريك على قطاع الطاقة والشبكات في شركة ألستوم مقابل 10 مليار دولار، لتركز ألستوم بعد ذلك على قطاع النقل وصناعة محركات قاطرات السكك الحديدية. ويمكن القول إن عقد توربينات سد مروي كان أحد العوامل التي ساهمت في استعادة الثقة التجارية لألستوم ورفع قيمتها السوقية. وفي 9 مارس من نفس العام، أخطرت إدارة الشركة الحكومة بإنهاء عقدها في سد مروي، وقامت بسحب الفريق الهندسي المشرف على تشغيل التوربينات في موقع السد. وهكذا انتقل دين السودان إلى شركة جنرال إلكتريك، التي لم تفلح بدورها في الحصول على المبلغ المطلوب، وقررت فيما بعد التوقف عن تحديث نظام تشغيل التوربينات، ما دفع إدارة السد إلى اللجوء إلى شركات أخرى من أجل التغلب على هذه المشكلة جزئيا. وقد يكون توقف جنرال إلكترك عن تحديث برنامج التشغيل علاقة بالعقوبات الأمريكية أيضاً، باعتبار أنها شركة أمريكية وملزمة بالامتثال للعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة. المؤكد أن هذا المبلغ لم يسدد حتى 2019، ولا تتوفر معلومات عن سداده لاحقا بعد هذا التاريخ.
الدراسات حول الآثار الاجتماعية للسد
أصبح سد مروي موضوعاً لعدد من الدراسات التي ركز معظمها على الآثار البيئية والاجتماعية للسد. وتكاد تتفق هذه الدراسات على الأثر الإيجابي للمشروع من الناحيتين الاستراتيجية والجدوى الاقتصادية، بينما أشارت إلى الأضرار الاجتماعية التي تسببت فيها عملية تهجير السكان المحليين. وأشارت دراسات أخرى إلى مشاكل فنية ومشاكل بيئية متعلقة بالتصريف والترسبات والتآكل بسبب اندفاع المياه أدنى السد. علما بأن هذه المشاكل ليست مقتصرة على سد مروي، وإنما هي مشاكل شائعة وبصفة خاصة في مشروعات الخزانات الضخمة المشابهة. أما فيما يتعلق بالتوربينات، فتكاد تقتصر الإشكالات على عدم تنفيذ تغلف الحماية وعدم انتظام الصيانة وتوفر قطع الغيار، بالإضافة إلى نقص الكوادر الهندسية المؤهلة للإشراف على التشغيل والصيانة. في تصريح لوكالة سونا في يونيو 2021، أكد المهندس أحمد عبد الله دفع الله، نائب المهندس المقيم السابق لسد مروي وخبير السدود، عدم وجود “مشاكل فنية تهدد سلامة السد وكفاءته، بل إنه يعمل بكفاءة عالية”. بينما أشار إلى أن هناك مشاكل في بعض البوابات نتيجة لعدم الانتظام في أعمال الصيانة الدورية، وأضاف أن العديد من مهندسي سد مروي والخبرات والكفاءات المدربة تدريباً عالياً أصبحوا الآن خارج السودان، ما أثر على كفاءة المتابعة والصيانة.
ومن بين الوثائق الجديرة بالاهتمام فيما يتعلق بالآثار الاجتماعية والاقتصادية للسد، دراسة بعنوان “الآثار الاجتماعية لمشاريع السدود الضخمة كما تراها المجتمعات المحلية والمعاد توطينها والنازحة: دراسة حالة سد مروي”، نشرتها جامعة بليموث البريطانية عام 2021. تضمنت هذه الدراسة عملاً ميدانياً ضخماً شمل مقابلات مع 300 شخص من السكان المهجرين والمجتمعات القاطنة أعلى السد وأدنى السد، بالإضافة إلى مسؤولين حكوميين ومن وحدة إنشاء السدود ومن المنظمات الطوعية.
خلصت هذه الدراسة إلى أن المشروع أدى إلى تحسينات ملموسة في البنية التحتية من خلال توفير المنازل الحديثة وربط المناطق بالشبكة القومية للكهرباء. كما ساهم في تطوير الخدمات الأساسية كبناء المدارس والمستشفيات وتعبيد الطرق والجسور، ما سهل من الحركة والتجارة. في المقابل، كشفت عن تراجع حاد في سبل العيش التقليدية نتيجة فقدان الأراضي الزراعية الخصبة وأشجار النخيل. وتسبب التهجير في تفكيك الروابط الاجتماعية والنسيج الأسري الممتد في البيئات الجديدة. كما أبانت أن المجتمعات واجهت صعوبات جمة في التكيف مع البيئة الصحراوية وشح مياه الري مقارنة بضفاف النيل. وأظهرت الدراسة أن الخدمات الحديثة لم تعوض بشكل كامل الخسائر الاقتصادية والثقافية والاجتماعية المترتبة على الانتقال. وبسبب ضعف المشاركة المجتمعية وآليات التعويض، سادت حالة من الاحتقان بين الأهالي. وفي نفس الوقت، أشارت الدراسة إلى أن هذه الآثار تكاد تكون سمة ملازمة لكل مشروعات السدود الكبيرة ولا تقتصر على سد مروي.




