مقالات كل العرب

70 عاما على المجلة: هل تحول “الاستثناء التونسي” الى مجرد إرث رمزي؟

70 عاماً على المجلة: هل تحوّل “الاستثناء التونسي” إلى مجرد إرث رمزي؟

أ. رجاء السنوسي

​حين أصدرت تونس مجلة الأحوال الشخصية في أوت/أغسطس 1956، لم تكن تصوغ مجرد نص تشريعي يُنظّم المعاملات الأسرية، بل كانت تضع اللبنة الأولى لمشروع مجتمعي حداثي قطعت به مع منظومة تقليدية كاملة. جعلت تلك المجلة من المرأة التونسية عنواناً للاستثناء في المنطقة، ورمزاً لبناء دولة المواطنة القائمة على الشراكة بين النساء والرجال.

​واليوم، مع حلول الذكرى السبعين لصدورها، تعود الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات لتطرح السؤال الأكثر صراحة في أدبيات الحركة النسوية: “أين نحن من المساواة؟”.

​هذا السؤال يضع المنظومة التشريعية والمجتمعية أمام اختبار حقيقي: هل ما زالت مجلة الأحوال الشخصية مشروعاً تجديدياً يواكب تحولات العصر؟ أم أنها تحولت إلى مجرد إرث تاريخي يُستعرض في المحافل، بينما تتآكل روحها في الواقع المعاش؟

بين نص القانون وواقع الميدان

​إن الخطر الأكبر الذي يواجه مسار الإصلاح في تونس اليوم هو الاكتفاء بوجود النص القانوني. فالقوانين يفترض أن تتطور باستمرار لتستجيب لمتطلبات المجتمع ومفاهيم حقوق الإنسان.

​وتكشف حصيلة العقود السبعة عن فجوة متزايدة بين النص المكتوب والممارسة الميدانية. فرغم وجود تشريعات متقدمة –وفي مقدمتها القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بإنهاء العنف ضد المرأة– يصطدم الواقع اليومي بتعقيدات إدارية، ونقص في آليات الحماية والتكفل، وغياب للإمكانيات اللوجستية الكفيلة بتطبيق القانون.

​ولا يتوقف الأمر عند حدود العنف المادي أو اللفظي، بل يمتد إلى العنف الاقتصادي والاجتماعي. إذ كيف يمكن الحديث عن مساواة فعلية في ظل ما تعانيه العاملات الفلاحيات في المناطق الداخلية، اللاتي يقطعن الكيلومترات يومياً في ظروف نقل غير آمنة، ليعملن بأجور زهيدة ودون تغطية اجتماعية؟ إن المساواة التشريعية تظل محدودة الأثر ما لم تقترن بعدالة اقتصادية.

مخاطر التراجع والتوظيف السياسي

​تأتي هذه الذكرى في ظرفية سياسية واقتصادية دقيقة، يتقلص فيها الفضاء المدني وتتراجع الضمانات المؤسساتية، ما يفتح المجال لبروز خطابات تحاول إعادة إنتاج التصورات التقليدية حول دور المرأة في الأسرة والمجتمع.

​وتحذر القوى المدنية والديمقراطية اليوم من استغلال الأزمات الاقتصادية للتراجع عن المكتسبات، أو تسويق فكرة أن حقوق النساء مطلب ثانوي يمكن تأجيله إلى حين حل القضايا الأهم. فالخبرة التاريخية تؤكد أن حقوق النساء هي أول ما يتأثر عند تراجع المناخ الديمقراطي. والمساواة ليست شعاراً للمناسبات الوطنية، بل هي المعيار الأساسي لمدى التزام الدولة بسيادة القانون واحترام العقد الاجتماعي.

استحقاقات المرحلة

​إن الوفاء لمسار الإصلاح لا يكون بالوقوف عند ما تحقق عام 1956، بل بمواصلة العمل بالجرأة ذاتها.

​إن الانتقال من المساواة على الورق إلى المساواة الفعلية يتطلب إرادة سياسية لمراجعة التشريعات التي لا تزال تتضمن تمييزاً، وملاءمة القوانين الوطنية مع المعاهدات الدولية (وفي مقدمتها اتفاقية “سيداو”)، وتوفير الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل من المواطنة ممارسة يومية.

​تونس اليوم لا تحتاج إلى تكرار خطابات المفاخرة بالماضي، بل إلى معالجة اختلالات الحاضر، حتى لا يتحول “الاستثناء التونسي” إلى مجرد محطة في كتب التاريخ.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى