مقالات كل العرب

إتفاق مكة وإعادة تشكيل الأقليم.. من البحث عن الأمن الى صناعة التوازن

اتفاق مكة وإعادة تشكيل الإقليم.. من البحث عن الأمن إلى صناعة التوازن
أ. معتز فخر الدين
لم يكن توقيع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان اتفاق الدفاع المشترك في مكة المكرمة حدثًا عابرًا في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة. فمنذ الإعلان عنه تعددت القراءات: من رأى فيه تحالفًا في مواجهة إيران، ومن قرأه باعتباره تعبيرًا عن تحول في السياسة السعودية، ومن ركز على الدور التركي والباكستاني، فيما توقف آخرون عند غياب مصر أو مستقبل منظومة الأمن الخليجي.
كل هذه القراءات تلتقط جانبًا من المشهد، لكنها لا تكفي وحدها لفهم المغزى الأوسع للاتفاق.
فما جرى في مكة لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه اتفاقًا دفاعيًا بين ثلاث دول، ولا باعتباره استجابة لتهديد أمني محدد. الأهم أنه يأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل لموازين القوة، وفي ظل تنافس مشاريع إقليمية ودولية على تحديد شكل النظام الذي سيحكم المنطقة في المرحلة المقبلة.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط: لماذا اجتمعت السعودية وتركيا وباكستان؟
بل: لماذا الآن؟ وما الذي استشعرته هذه الدول من تحولات ومخاطر دفعها إلى بناء صيغة جديدة للتعاون والردع؟
أبعد من «حلف ضد إيران»
أتحفظ على اختزال اتفاق مكة في كونه حلفًا ضد إيران.
لا شك أن إيران حاضرة في الحسابات الأمنية السعودية، وأن المشروع الإيراني خلال العقود الماضية أحدث تحولًا عميقًا في موازين القوى في المنطقة. كما أن التطورات العسكرية الأخيرة أعادت إلى الواجهة سؤال أمن الخليج وطرق الطاقة والممرات البحرية.
لكن اختزال الاتفاق في العامل الإيراني وحده يُفقده جزءًا أساسيًا من دلالته. فالبيان المشترك قدم الاتفاق بوصفه دفاعيًا، ولم يسمِّ دولة بعينها كخصم.
الدول لا تعيد بناء شراكاتها الاستراتيجية فقط لمواجهة خصم محدد، وإنما عندما تشعر بأن البيئة المحيطة بها تغيرت، وأن موازين القوة القائمة لم تعد كافية لحماية مصالحها.
وهذا، في تقديري، هو المدخل الصحيح لفهم التحرك السعودي.
فالسعودية لا تبحث فقط عن مواجهة خطر إيراني، بل عن توسيع قدرتها على الحركة، وتنويع مصادر القوة والردع، وبناء خيارات أوسع في مواجهة بيئة إقليمية أصبحت أكثر تعقيدًا.
ومن هنا تكتسب الشراكة مع تركيا وباكستان معناها.
فتركيا تمتلك ثقلًا عسكريًا وصناعيًا وتكنولوجيًا كبيرًا، وباكستان تمتلك وزنًا عسكريًا واستراتيجيًا خاصًا، بينما تمتلك السعودية قدرات مالية واقتصادية وطاقوية وجغرافية تجعلها طرفًا أساسيًا في أي ترتيبات أمنية إقليمية.
إنها ثلاث قوى تملك عناصر مختلفة من القوة يمكن أن تتكامل في بناء قدرة أكبر على الردع.
لكن هنا ينبغي أن نتوقف عند معنى الردع نفسه.
إعادة تعريف الردع
الردع لا يعني فقط أن تمتلك الدولة القدرة العسكرية التي تمنع خصمًا من ضربها.
الردع الأوسع هو أن يعرف أي طرف يفكر في استخدام القوة أن كلفة هذا الخيار لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية وطاقوية وتقنية وسياسية أيضًا.
فكلما أصبحت كلفة العدوان أكبر، انخفضت جاذبية خيار العدوان.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم تكامل عناصر القوة في اتفاق مكة: الصناعة والتكنولوجيا التركية، والعمق العسكري والاستراتيجي الباكستاني، والوزن المالي والاقتصادي والطاقوي السعودي.
هنا لا نتحدث فقط عن ثلاث دول تتعهد بالدفاع عن بعضها، بل عن محاولة لبناء قدرة تجعل استخدام القوة ضد أي طرف أكثر كلفة وأقل جدوى.
ولهذا يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره محاولة لجعل الحرب خيارًا أقل ربحية، لا اتفاقًا هدفه خوض الحروب.
لكن قيمة هذا التصور ستتوقف في النهاية على ما سيحدث بعد التوقيع: هل يتحول الاتفاق إلى تدريب مشترك، وتبادل للمعلومات، وتعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا، وتنسيق فعلي في أوقات الأزمات، أم يبقى في حدود الرسالة السياسية؟
هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
الشرق الأوسط كساحة لشراكات جديدة
فالشرق الأوسط لم يعد فقط مسرحًا للتحالفات الأيديولوجية أو العسكرية التقليدية، بل أصبح بصورة متزايدة مجالًا لتبادل القدرات والمصالح.
كل دولة تدخل الشراكة وهي تحمل عنصر قوة تحتاج إليه الدولة الأخرى.
السعودية تمتلك رأس المال والاستقرار والقدرة على الاستثمار، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية ودفاعية متقدمة، وباكستان تمتلك خبرة عسكرية وعمقًا استراتيجيًا وقدرات دفاعية مهمة.
بهذا المعنى، لا تقوم الشراكة فقط على التشابه السياسي أو الديني، وإنما على تكامل المصالح والقدرات.
وهذه نقطة مهمة؛ لأنها تجعل قراءة الاتفاق باعتباره «محورًا إسلاميًا» غير كافية.
قد تكون رمزية مكة حاضرة بقوة، لكن الحسابات العملية للدول الثلاث أوسع من الرمزية.
فالدول تبحث عما تحتاج إليه، وتقدم في المقابل ما تستطيع توفيره.
وكلما تحول هذا التعاون إلى شراكات في الصناعة الدفاعية، والتكنولوجيا، والطاقة، والاستثمار والبنية التحتية، ازدادت صلابته وتحول من تفاهم سياسي إلى شبكة مصالح متبادلة.
وهنا يصبح الاقتصاد جزءًا من الأمن، لا ملفًا منفصلًا عنه.
الأمن يبدأ من الاقتصاد
القوة لا تُقاس بالسلاح وحده.
فالدولة التي تريد أن تحمي قرارها الاستراتيجي تحتاج إلى اقتصاد قوي، وشبكات طاقة وتجارة ونقل، وقدرة على التمويل، وقاعدة صناعية وتكنولوجية تقلل من اعتمادها على الخارج.
ومن هنا فإن أهمية اتفاق مكة قد تتجاوز الجانب العسكري إذا تطور التعاون بين الدول الثلاث إلى شراكات أوسع في الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والصناعات الدفاعية والبنية التحتية.
السعودية تملك القدرة المالية والاستثمارية، وتركيا تملك قاعدة صناعية وتكنولوجية متنامية، وباكستان تملك كتلة بشرية وعسكرية وموقعًا جغرافيًا مهمًا.
وإذا نجحت هذه العناصر في التحول إلى شبكة مصالح متبادلة، فإن الاتفاق يصبح أكثر من ترتيبات دفاعية؛ يصبح جزءًا من بناء قوة استراتيجية متكاملة.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات التحول الجاري في المنطقة: القوة لم تعد فقط في حجم الجيش، بل في القدرة على ربط الاقتصاد بالتكنولوجيا والأمن والسياسة.
لماذا الآن؟
هذا السؤال، في تقديري، أهم من سؤال: «ضد من؟»
فالمنطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة في موازين القوة، وأصبح واضحًا أن قواعد الأمن التي حكمتها لعقود لم تعد كما كانت.
والدول التي كانت تعتمد بصورة أكبر على المظلات الخارجية أصبحت أكثر إدراكًا لحاجتها إلى بناء قدراتها الذاتية وتنويع شراكاتها.
ولعل ما يعزز هذه القراءة أن اتفاق مكة لم يأتِ منفصلًا عن تحرك سعودي أوسع في مجال الأمن الإقليمي. فقبل الاتفاق، كانت الرياض قد دفعت باتجاه إنشاء تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وهي ممرات ترتبط مباشرة بأمن الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي.
وهذا التسلسل مهم؛ لأنه يوحي بأن السعودية لا تتحرك لبناء ترتيب دفاعي واحد، بل تعمل على بناء طبقات متعددة من الأمن: تعاون بحري لحماية الممرات الحيوية، وشراكات دفاعية مع قوى إقليمية، مع الإبقاء في الوقت نفسه على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
وبذلك يصبح اتفاق مكة جزءًا من مسار أوسع، عنوانه توسيع هامش الحركة السعودية، بحيث لا يبقى أمن المملكة مرتبطًا بترتيب واحد أو قوة واحدة.
وهذا لا يعني نهاية الدور الأميركي، ولا يعني أن السعودية تريد استبدال واشنطن بأنقرة أو إسلام آباد.
بل يعني شيئًا أكثر واقعية: أن الرياض تريد أن تمتلك خيارات أكثر، وقدرة أكبر على الحركة في بيئة لا تضمن فيها دولة واحدة وحدها الأمن الإقليمي.
إنه انتقال من الاعتماد على ترتيبات أمنية جاهزة إلى المساهمة في بناء ترتيبات جديدة.
كيف ستقرأ واشنطن الاتفاق؟
هذه نقطة لا ينبغي تجاوزها.
فالدول الثلاث ليست دولًا معادية للولايات المتحدة. السعودية شريك أساسي لواشنطن، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وباكستان تربطها بالولايات المتحدة علاقات استراتيجية وأمنية تاريخية، وإن مرت هذه العلاقات بمراحل من التوتر والتراجع.
لذلك يصعب قراءة اتفاق مكة باعتباره مشروعًا للانفصال عن الولايات المتحدة.
لكن واشنطن ستقرأ الاتفاق من زاوية أخرى:
هل يساعد هذا الترتيب على تقاسم أعباء الأمن الإقليمي، أم يؤسس تدريجيًا لمركز قوة إقليمي أكثر استقلالًا عن المظلة الأميركية؟
وهذا فرق مهم.
فإذا أدى الاتفاق إلى جعل حلفاء واشنطن أكثر قدرة على حماية أنفسهم، وتعزيز أمن الخليج، وتحمل جزء أكبر من أعباء الردع، فقد ترى فيه الولايات المتحدة عنصرًا إيجابيًا أو قابلًا للاحتواء.
أما إذا تطور إلى منظومة أمنية مستقلة تمتلك قدراتها الصناعية والتكنولوجية والمالية وشبكة مصالحها الخاصة، فقد تجد واشنطن نفسها أمام واقع جديد يفرض إعادة النظر في دورها في المنطقة.
ومن هنا يمكن القول إن اتفاق مكة قد لا يكون تحديًا مباشرًا للولايات المتحدة، لكنه اختبار جديد لدورها في إدارة أمن المنطقة.
والأرجح أن الدول الثلاث نفسها لا تريد في هذه المرحلة الذهاب إلى مواجهة مع واشنطن، بل تريد أن تصبح العلاقة معها جزءًا من شبكة أوسع، لا أن تكون المصدر الوحيد للأمن.
من الاتفاق إلى القدرة: كيف يُنفذ؟
هنا يبدأ الاختبار الأصعب.
فالتوقيع السياسي لا يصنع وحده قوة ردع. والاتفاق لا يصبح مؤثرًا إلا عندما يتحول إلى مؤسسات وآليات قادرة على العمل وقت الأزمات.
وإذا أرادت الدول الثلاث أن تمنح اتفاق مكة قيمة استراتيجية حقيقية، فعليها أن تنتقل تدريجيًا إلى بناء آليات واضحة للتنسيق العسكري، والتدريب والمناورات المشتركة، وتبادل المعلومات، والتعاون الاستخباراتي، وتطوير الصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، وربط بعض قدراتها في مجالات يمكن أن تعزز أمنها المشترك.
لكن الأهم هو وضوح الالتزام نفسه.
فإذا تعرضت إحدى الدول الثلاث لهجوم، ما طبيعة الرد؟ ومن يقرر؟ وكيف يتم التنسيق؟ وما الذي تستطيع كل دولة تقديمه فعلًا؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل فنية.
إنها جوهر مصداقية أي اتفاق دفاعي.
ولهذا فإن نجاح اتفاق مكة لن يُقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات التي ستصدر بعده، وإنما بقدرته على بناء قدرة مشتركة يمكن اختبارها في الواقع.
عقبات الطريق
لكن الطريق أمام الاتفاق ليس سهلًا.
فالدول الثلاث ليست متطابقة في مصالحها أو أولوياتها.
للسعودية حساباتها الخليجية والعربية، ولتركيا حساباتها في الشرق الأوسط وعلاقاتها الدولية، بينما تواجه باكستان تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية خاصة.
والسؤال هنا ليس هل تستطيع الدول الثلاث الاتفاق في الظروف العادية، وإنما: هل تستطيع أن تحافظ على هذا الاتفاق عندما تتعارض مصالحها في أزمة حقيقية؟
وهناك أيضًا مسألة الثقة.
فالاتفاقات الاستراتيجية تحتاج إلى سنوات حتى تتحول إلى علاقات مؤسسية راسخة. كما أن اختلاف القدرات لا يعني تلقائيًا إمكانية دمجها بسهولة في منظومة واحدة.
السعودية تملك المال، لكن المال وحده لا يصنع قدرة عسكرية مشتركة.
وتركيا تملك الصناعة والتكنولوجيا، لكن التكنولوجيا تحتاج إلى منظومة تمويل وتسويق وتعاون طويل الأمد.
وباكستان تملك الخبرة العسكرية والقدرات الاستراتيجية، لكنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا داخلية واقتصادية وأمنية قد تؤثر في قدرتها على الوفاء بالتزامات طويلة المدى.
ومن هنا فإن السؤال عن باكستان ليس تشكيكًا في أهميتها، بل سؤال عن قدرتها على تحويل حضورها السياسي والعسكري إلى التزام مستمر وقابل للتنفيذ.
وهناك عقبة أخرى لا تقل أهمية: هل يستطيع الاتفاق أن يبقى دفاعيًا فعلًا، أم أن تطورات المنطقة قد تدفعه تدريجيًا إلى اصطفاف في مواجهة طرف محدد؟
فكلما تحول الاتفاق من بناء الردع إلى إدارة مواجهة مباشرة، ازدادت كلفته وتعقدت حساباته.
سيناريوهات الفشل المحتمل
ومن الخطأ التعامل مع نجاح الاتفاق باعتباره نتيجة مضمونة.
هناك أكثر من طريق يمكن أن يتعثر فيه.
أولها الفشل السياسي: يبقى الاتفاق قائمًا على الورق، بينما تتغير الظروف أو الأولويات السياسية، فتتراجع الحماسة له ولا يتحول إلى مؤسسات دائمة.
وثانيها الفشل العملي: تتوافر الإرادة السياسية، لكن الدول الثلاث لا تنجح في بناء آليات القيادة والتنسيق والتدريب والتسليح التي تجعل الاتفاق قابلًا للتنفيذ في أزمة حقيقية.
وثالثها الفشل الناتج عن تضارب المصالح: قد تصل الدول الثلاث إلى مرحلة تتعارض فيها حساباتها بشأن أزمة إقليمية معينة، فيصبح الالتزام المشترك أصعب من الالتزام النظري.
وهنا يبرز الاختبار الأصعب لأي اتفاق دفاعي: ماذا يحدث عندما تقع أزمة لا تتطابق فيها حسابات الأطراف؟
فماذا سيكون موقف تركيا والسعودية إذا اندلعت مواجهة جديدة بين باكستان والهند؟ وهل تتحول الشراكة إلى التزام بالدخول في الحرب؟ وماذا لو تعرضت منشآت حيوية في السعودية لهجوم إيراني؟ هل تصبح تركيا وباكستان ملزمتين بتدخل عسكري مباشر، أم يقتصر موقفهما على الدعم السياسي والاستخباراتي واللوجستي؟
إن عدم وضوح الإجابة عن هذه الأسئلة لا يعني بالضرورة ضعف الاتفاق، لكنه يكشف الفارق بين الشراكة الاستراتيجية والتحالف العسكري الكامل. فالاختبار الحقيقي لأي اتفاق دفاعي لا يكون عندما تتطابق المصالح، بل عندما تتعارض الحسابات ويصبح على كل طرف أن يقرر حجم الثمن الذي هو مستعد لدفعه من أجل التزامه.
لكن هناك سيناريو رابعًا أكثر واقعية، وربما يكون هو الأقرب في المرحلة الأولى: النجاح الجزئي.
أي ألا يتحول الاتفاق سريعًا إلى حلف عسكري متكامل، لكنه ينجح في بناء شبكة متدرجة من التعاون الدفاعي والصناعي والاستخباراتي والتكنولوجي، ثم تتوسع هذه الشبكة مع الوقت.
وهذا في حد ذاته سيكون تطورًا مهمًا.
فالتحالفات الكبرى لا تُبنى في يوم واحد، وإنما تبدأ عادةً باتفاقات سياسية، ثم تتحول إلى مصالح مشتركة، ثم إلى مؤسسات، ثم إلى قدرة فعلية.
الخطر ليس طرفًا واحدًا
إذا كان من الخطأ اختزال الاتفاق في مواجهة إيران، فمن الخطأ أيضًا تجاهل أن المنطقة أصبحت ساحة لتفاعل مشاريع متعددة، لكل منها تصور لمستقبل الإقليم وموقعه فيه.
فالخطر الذي تستشعره السعودية، والذي ينبغي أن تستشعره الدول العربية عمومًا، لا يأتي من مشروع واحد فقط، وإنما من تعدد المشاريع التي تتحرك في المنطقة في ظل غياب مشروع عربي جامع قادر على حماية المصالح العربية وصناعة التوازن.
هناك مشروع إيراني سعى إلى بناء عمق استراتيجي ونفوذ واسع في الإقليم.
وهناك مشروع إسرائيلي لا يقتصر على الحفاظ على التفوق العسكري والأمني، بل يسعى أيضًا إلى التأثير في شكل النظام الإقليمي المقبل وموقع إسرائيل فيه.
وهناك المشروع الأميركي، الذي لا يزال حاضرًا بقوة، لكنه يعيد صياغة أدوات حضوره ويدفع بصورة متزايدة نحو تقاسم أعباء الأمن مع القوى الإقليمية.
هذه المشاريع ليست متطابقة، ولا تتحرك دائمًا في اتجاه واحد، ولكل منها مصالحه وحساباته وأدواته.
لكن النتيجة من زاوية عربية مقلقة: الآخرون يمتلكون مشاريع تتحرك، بينما لا يزال العرب يعانون غياب إطار جامع يحول عناصر قوتهم إلى قوة استراتيجية قادرة على الفعل.
وهنا تكمن خطورة المرحلة.
فالمسألة ليست فقط أن مشروعًا ما ينتصر ومشروعًا آخر يخسر، بل أن تتشكل المنطقة العربية ودول الخليج وفق توازنات يصنعها الآخرون.
ومن هنا يمكن فهم القلق السعودي بصورة مختلفة: ليس بوصفه خوفًا من طرف واحد، وإنما بوصفه إدراكًا بأن المرحلة المقبلة قد تفرض توازنات جديدة، وأن من لا يشارك في صناعتها سيجد نفسه خاضعًا لها.
وماذا عن الخليج؟
هنا يبرز سؤال آخر: أين تقف بقية دول الخليج من هذا المسار؟
لا يمكن تجاهل أن أمن السعودية جزء أساسي من أمن الخليج، وأن أي تحول كبير في خيارات الرياض الأمنية ستكون له انعكاساته على بقية دول مجلس التعاون.
لكن لا أرى من الصواب أن نستبق الأحداث ونقول إن الاتفاق أحدث شرخًا داخل المنظومة الخليجية.
الأدق أن نسأل:
هل يمثل اتفاق مكة بداية مسار يمكن أن يدعم منظومة أمن خليجية أوسع، أم أنه تعبير عن حاجة كل دولة إلى بناء شبكة شراكاتها الخاصة بسبب عدم كفاية الأدوات الخليجية القائمة؟
هذا السؤال مهم.
فدول الخليج ليست متطابقة في سياساتها الخارجية أو في تقديرها للمخاطر، كما أن لكل منها شبكة علاقاتها ومصالحها.
لكن الخيار الأفضل، في تقديري، ليس أن تختار الدول الخليجية بين منظومتها الخليجية وشراكاتها الإقليمية، وإنما أن تكون هذه الشراكات رافدًا لمنظومة أمن خليجية أكثر قوة وفاعلية.
وهكذا يمكن أن يصبح اتفاق مكة فرصة لإعادة التفكير في الأمن الخليجي، لا سببًا جديدًا للانقسام داخله.
وماذا عن مصر؟
من الطبيعي أن يطرح غياب مصر عن اتفاق مكة سؤالًا مشروعًا، خصوصًا أن القاهرة ليست دولة إضافية في أي ترتيبات إقليمية، بل دولة مركزية في معادلة الأمن القومي العربي، بحكم ثقلها السكاني والعسكري والسياسي والجغرافي.
لكنني لا أعتقد أن غياب مصر يمكن قراءته بمعزل عن حساباتها الاستراتيجية وموقعها في النظام العربي، كما لا أعتقد أن السؤال الأهم هو: لماذا لم تدخل مصر هذا الاتفاق؟
السؤال الأعمق هو: لماذا لا يوجد أصلًا إطار عربي جامع يجعل مثل هذه الشراكات جزءًا من منظومة أمن عربي أوسع؟
فالمشكلة ليست في أن تبحث الدول عن علاقات وشراكات تحمي أمنها ومصالحها؛ فهذا حق طبيعي لكل دولة. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الترتيبات إلى بديل عن مشروع عربي مشترك للأمن القومي.
وهنا لا ينبغي تحميل مصر وحدها مسؤولية هذا الغياب.
فنحن أمام إقليم تتغير فيه خرائط النفوذ بسرعة، من الخليج والبحر الأحمر إلى بلاد الشام والعراق، وفي ظل مشاريع إقليمية ودولية متنافسة. وفي مثل هذا الواقع، يصبح غياب الرؤية العربية المشتركة أكثر خطورة من غياب دولة بعينها عن اتفاق محدد.
ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: «من يتحالف مع من؟»، وإنما: هل يستطيع العرب أن يمتلكوا رؤية مستقلة لأمنهم القومي، وأن ينتقلوا من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازنات؟
ومن هذه الزاوية، لا أرى أن اتفاق مكة يجب أن يُقرأ بوصفه بديلًا عن الدور المصري أو عن أي منظومة عربية، بل بوصفه مؤشرًا على حاجة الدول العربية إلى إعادة التفكير في طريقة بناء أمنها الجماعي.
فلو امتلك العرب إطارًا أمنيًا وسياسيًا فاعلًا، لما كان السؤال: لماذا ذهبت السعودية إلى تركيا وباكستان؟
بل لكان السؤال: كيف يمكن للعرب أن يجعلوا من تركيا وباكستان وغيرهما شركاء في منظومة أوسع، تكون الدول العربية هي صاحبة المبادرة فيها؟
وهنا تحديدًا تكمن المسألة: الأمن القومي العربي لا يعني الدخول في حرب مع أحد، ولا يعني إنشاء محور جديد، بل يعني امتلاك الإرادة والقدرة على حماية المصالح العربية، والمشاركة في صناعة التوازنات بدل الاكتفاء بالتكيف معها.
من الرد على الخطر إلى صناعة التوازن
الدول لا تبني قدرات الردع فقط لأنها تخشى الحرب، وإنما لأنها تريد أن تمنع الآخرين من فرض قواعد اللعبة عليها.
والاتفاق، بهذا المعنى، يمكن أن يكون خطوة في اتجاه خلق توازنات جديدة في المنطقة.
لكن التوازن لا يعني فقط أن نمتلك قوة أكبر.
التوازن يعني أن نمتلك من عناصر القوة ما يجعل الآخرين مضطرين إلى أخذ مصالحنا وحساباتنا في الاعتبار.
إذا كان الطرف الآخر يعرف أن الضغط العسكري سيقابله رد عسكري، وأن الضغط على الطاقة ستكون له تداعيات اقتصادية، وأن الحرب ستفتح أبوابًا سياسية وتقنية وأمنية واسعة، فإن حساباته تتغير.
هذه هي فلسفة الردع الجديدة.
ولذلك فإن تكامل القوة السعودية والتركية والباكستانية يستحق أن يُقرأ من هذه الزاوية: ليس كجمع ثلاثة جيوش، بل كجمع ثلاثة أنواع من القوة.
وهذا ما يجعل الاتفاق أكثر أهمية من مجرد عدد البنود التي يتضمنها.
ما الذي يمكن أن يكون عليه المشروع العربي؟
هنا أصل إلى جوهر قراءتي.
إذا كنا نتحدث عن مشروع عربي، فلا ينبغي أن يبقى المفهوم شعارًا عامًا.
أنا لا أدعو بالضرورة إلى إنشاء حلف عربي مغلق في مواجهة الآخرين، ولا أعتقد أن المطلوب الدخول في سباق محاور جديد.
المطلوب، في تقديري، أوسع وأكثر واقعية:
منظومة عربية متدرجة للقوة والمصلحة.
تبدأ بتطوير قدرات دفاعية وأمنية مشتركة، وتنتقل إلى تكامل اقتصادي واستثماري أوسع، وتعزيز الصناعات والتكنولوجيا العربية، وتنسيق سياسي واستراتيجي في القضايا التي تمس الأمن العربي، ثم بناء شبكة شراكات مع القوى الإقليمية والدولية من موقع الندية والمصلحة.
بهذا المعنى، لا تصبح تركيا خصمًا ولا إيران قدرًا ولا إسرائيل مركز النظام الإقليمي ولا الولايات المتحدة مصدر الأمن الوحيد.
بل تصبح كل هذه القوى أطرافًا تتعامل معها منظومة عربية تمتلك مشروعها وقدرتها على التفاوض والتأثير.
وهذا هو الفارق بين أن تكون لدينا تحالفات، وأن يكون لدينا مشروع.
من المتلقي إلى الفاعل
لقد اعتاد العرب، خلال عقود، أن يتعاملوا مع التحولات الإقليمية بعد وقوعها، وأن يتكيفوا مع توازنات صاغها الآخرون.
أما المرحلة المقبلة فتتطلب شيئًا مختلفًا.
تتطلب الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن انتظار التوازنات إلى المشاركة في صناعتها، ومن التلقي إلى المشاركة في صياغة النظام الإقليمي.
وهذا لا يعني بناء محور عربي في مواجهة الآخرين، ولا يعني الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران أو تركيا أو إسرائيل أو الولايات المتحدة.
بل يعني أن يكون للعرب مشروعهم الخاص، الذي يسمح لهم بالتعامل مع الجميع من موقع القوة والمصلحة، لا من موقع الحاجة والاضطرار.
عندها تصبح الشراكات مع تركيا وباكستان وغيرها أدوات في خدمة الأمن العربي، لا بدائل عن غيابه.
وعندها أيضًا يصبح التعاون مع القوى الدولية والإقليمية جزءًا من استراتيجية عربية، لا تعويضًا عن عدم وجود استراتيجية.
اتفاق مكة: بداية أم اختبار؟
من هنا، أقرأ اتفاق مكة باعتباره أكثر من اتفاق دفاعي بين ثلاث دول.
لا أراه ولادة حلف إسلامي، ولا أراه مجرد حلف في مواجهة إيران، ولا أراه إعلانًا عن نهاية النفوذ الأميركي.
أراه إشارة إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، تحاول فيها قوى إقليمية أن تمتلك أدوات أكبر لصناعة الردع والتوازن، بدل الاكتفاء بتلقي التوازنات التي يصنعها الآخرون.
السعودية تنوع أدواتها.
تركيا تثبت موقعها كقوة إقليمية مؤثرة.
باكستان توسع مجالها الاستراتيجي.
والولايات المتحدة تراقب كيف يمكن أن تتغير معادلة تقاسم الأعباء والأدوار.
وإيران وإسرائيل تتحرك كل منهما وفق حساباتها ومشاريعها ومصالحها.
وفي وسط هذه الحركة كلها يبقى السؤال العربي قائمًا.
ليس السؤال: لماذا تحالفت السعودية مع تركيا وباكستان؟
بل:
لماذا لم يمتلك العرب حتى الآن الإطار الذي يجعل مثل هذه الشراكات جزءًا من مشروع عربي أوسع؟
وليس المطلوب أن نلوم السعودية لأنها تبحث عن أمنها.
بل أن نفهم أن ما فعلته السعودية قد يكون رسالة إلى الجميع بأن الدول التي تريد حماية أمنها ومصالحها عليها أن تبني قدراتها وشراكاتها وتشارك في صناعة التوازنات.
فالمسألة ليست اتفاقًا بين ثلاث دول فحسب.
المسألة هي الخطر الذي يحيط بالمنطقة العربية ودول الخليج في ظل تعدد المشاريع المتنافسة، والفرصة التي يتيحها هذا الواقع للعرب كي يعيدوا بناء موقعهم.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل يصنع اتفاق مكة حلفًا جديدًا؟
بل:
هل يدفع هذا الاتفاق العرب إلى إدراك أن زمن انتظار الآخرين لصناعة توازنات المنطقة نيابة عنهم قد انتهى؟
فإذا كانت السعودية قد شعرت بأن حجم المخاطر وتعدد المشاريع يفرضان عليها بناء شراكات جديدة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه بقية العالم العربي هو:
متى ننتقل من البحث عن ترتيبات تحمينا إلى بناء منظومة عربية تجعلنا نحن شركاء في صناعة الأمن والتوازن؟
فالمستقبل لن ينتظر مشروعًا عربيًا متأخرًا. والتوازنات التي تُبنى اليوم ستحدد شكل المنطقة لعقود مقبلة. ومن لا يشارك في صناعتها، لن يكون له سوى أن يتكيف معها.
لهذا، قد يكون أهم ما كشفه اتفاق مكة ليس ما اتفقت عليه الدول الثلاث، بل ما كشفه مرة أخرى عن الحاجة العربية إلى مشروع يجعلنا فاعلين في صناعة الإقليم، لا متلقين لما يصنعه الآخرون.
 كاتب لبناني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى