مقالات كل العرب

في ذكرى الميلاد و كارثة الغزو: حتى لا نموت بالتقادم

البعث بين صدمة الحدث و غياب التجديد

في ذكرى الميلاد و كارثة الغزو.
و حتى لا نموت بالتقادم: البعث بين صدمة الحدث وغياب التجديد

أ. بلقاسم صوالحية

لم يكن سقوط بغداد سنة 2003 حدثًا عابرًا في التاريخ العربي، بل كان زلزالًا هزّ البنية السياسية والفكرية معًا. فحين دخلت القوات الأمريكية العاصمة العراقية، لم تسقط دولة فحسب، بل سقط معها اختبارٌ قاسٍ لفكرةٍ ايقنت يومًا أنها مشروع نهضة أمة: فكرة البعث. والسؤال الذي بقي معلقًا منذ ذلك اليوم ليس لماذا هُزم العراق عسكريًا،؟
بل لماذا لم يكن ردّ الفعل الفكري والسياسي بحجم الفعل؟
ولماذا اختفت جموع البعثيين التي كانت تملأ الشوارع و الساحات، وتراجع المنظّرون، وغابت الدراسات العميقة التي تفسّر ما جرى وتعيد بناء السؤال؟

1. بين الحدث والصدمة: حين يتقدّم الواقع على الفكر
ما حدث في العراق لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل كان انهيارًا لنموذج دولة ارتبطت، بفكرة البعث. وهنا وقعت المفارقة: حين انهار النموذج، لم تكن هناك مسافة نقدية كافية بين الفكرة والتجربة. فاختلط الدفاع عن البعث كفكر، بالدفاع عن السلطة التي حكمت بفكره. وعندما سقطت السلطة، بدا وكأن الفكرة نفسها قد سقطت، لأن أدوات التفكيك والنقد لم تكن جاهزة……
لقد فاجأ الحدثُ الفكرَ، ولم يكن الفكر مستعدًا لإعادة إنتاج نفسه بسرعة. فغابت المبادرة النظرية، وحضر الصمت أو التبرير.

2. غياب المنظّرين: أزمة إنتاج المعرفة لا أزمة جماهير
ليس صحيحًا أن الجماهير اختفت فجأة، بل الأصح أن الإطار الذي كان يمنحها المعنى انهار. الجماهير لا تتحرك في الفراغ، بل ضمن سردية فكرية تعطيها اتجاهًا. وعندما تغيب هذه السردية، تتفكك الحركة.
أزمة البعث بعد 2003 لم تكن في القواعد، بل في النخب الفكرية. فقد تراجع دور المثقف العضوي الذي ينتج المفاهيم ويعيد تأويل الواقع. وتحول الخطاب، في كثير من الأحيان، إلى:
* إما حنين يمجّد الماضي،
* أو تبريرات نفسية لتخفيف وقع الهزيمة،
* أو صمت يختبئ خلف تعقيدات المرحلة.
بينما كان المطلوب هو العكس تمامًا: تفكيك التجربة، نقدها بجرأة، وإعادة بناء المفاهيم على أسس جديدة.

3. لماذا لم يكن ردّ الفعل بحجم الكارثة؟
يمكن تلخيص الأسباب العميقة في ثلاث مستويات مترابطة:
* أولًا: تكلّس البنية الفكرية
فكر البعث، رغم غناه التأسيسي، لم ينجح في تطوير أدواته النظرية بما يتناسب مع تحولات العالم. بقيت مفاهيمه حاضرة كشعارات، لكنها لم تُترجم إلى نظريات معاصرة في الحوكمة، الاقتصاد الرقمي، أو إدارة التنوع.
* ثانيًا: اختزال الفكر في الدولة
حين تُختزل الفكرة في سلطة، تصبح هشّة بسقوطها. وهذا ما حدث جزئيًا، حيث لم تتأسس تقاليد فكرية مستقلة قادرة على البقاء خارج الدولة وإعادة إنتاج نفسها.
* ثالثًا: التحول الجيوسياسي العالمي
العالم بعد 2003 لم يعد هو العالم الذي وُلد فيه البعث. فقد:
* تسارعت العولمة،
* تصاعدت الهيمنة التكنولوجية،
* ظهرت فواعل غير دولية (شركات، شبكات، منصات)،
وتحوّلت مراكز القوة من الجيوش إلى التكنولوجية و انتاج المعرفة .
هذا التحول جعل أدوات الصراع القديمة غير كافية.
4. الإيديولوجيات الأخرى: لماذا نجحت في التجدد؟
الإيديولوجيات الكبرى لم تختفِ، بل أعادت إنتاج نفسها :
* الليبرالية أعادت تعريف ذاتها عبر مفاهيم الحوكمة الرشيدة والشفافية.
* اليسار طوّر أطروحاته نحو العدالة المناخية والاقتصاد التضامني.
حتى التيارات القومية في أماكن أخرى أعادت صياغة نفسها ضمن سياقات جديدة.
أما البعث، فبقي إلى حد كبير أسير لغته القديمة، دون أن يدخل بعمق في:
* اقتصاد المعرفة،
* التحولات الديمغرافية،
* أو أنماط التنظيم الجديدة.
5. موقع العرب في عالم متعدد الأقطاب
اليوم، نحن أمام عالم يتشكل من جديد:
صعود قوى مثل الصين والهند،
تراجع نسبي للهيمنة الأحادية،
صراع على الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
في هذا السياق، يملك العرب عناصر قوة كامنة:
* موقع جغرافي استراتيجي،
* موارد طاقية،
* سوق بشرية واسعة،
* وإرث حضاري.
لكن هذه العناصر لا تتحول إلى قوة فعلية ذاتيا دون مشروع فكري جديد يربط بين الهوية والمصلحة، بين السيادة والانفتاح، وبين الوحدة والتنوع.
6. نحو بعثٍ جديد: من الشعار إلى النظرية
إذا كان المطلوب ألا نموت بالتقادم، فإن التحدي ليس في استعادة الماضي، بل في إنتاج المستقبل. وهذا يقتضي:
1. إعادة تعريف الوحدة
ليس كوحدة اندماجية كلاسيكية، بل كشبكات تكامل اقتصادي، رقمي، وثقافي.
2. تحديث مفهوم الحرية
لتشمل:
حرية الفرد،
وحرية المجتمع من التبعية التكنولوجية والاقتصادية.
3. تطوير الاشتراكية
نحو نماذج:
اقتصاد المعرفة،
العدالة في توزيع الفرص،
ودور الدولة كمنظم ذكي لا كفاعل احتكاري.
4. بناء نظرية في الحوكمة العربية
تجمع بين:
* الكفاءة،
* الشفافية،
* والمشروعية الشعبية.
5. إدماج البعد التكنولوجي
فلا نهضة اليوم دون:
* سيادة رقمية،
* واستثمار في الذكاء الاصطناعي،
* وبناء بنية تحتية معرفية.
7. السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن
لم يعد السؤال:
* لماذا لم نردّ الفعل آنذاك اي بعد تفكك الدولة في 2003؟
* بل كيف نمنع تكرار العجز مستقبلاً؟
الجواب لا يكون في الحنين و الرجوع الى الماضي ،
* ولا في التبرير، بل في الجرأة على النقد،
* والقدرة على التجديد. فالأفكار، مثل الكائنات الحية، إن لم تتجدد تموت… لا بضربة خارجية، بل بالتقادم.
إن البعث، كفكرة، لا يموت بسقوط تجربة، لكنه قد يذبل إن لم يجد من يعيد صياغته بلغة العصر. وبين الذاكرة والمستقبل، يبقى الرهان الحقيقي: هل نملك الشجاعة لنفكر من جديد و بانماط آخرى..و لكن من داخل الفكرة..!!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى