الحرب السودانية: نحو حل سوداني واقعي

الحرب السودانية: نحو حل سوداني واقعي
د. علي عبدالقادر
لا تزال الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع مستمرة منذ 15 أبريل 2023، أي ما يزيد على ألف يوم من القتال. وتشير الإحصاءات الصادرة عن الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الدولية إلى سقوط عشرات الآلاف من القتلى، إضافة إلى وفاة ما يزيد على 50 ألف مواطن بسبب الجوع والمرض. كما نزح أكثر من 15 مليون مواطن إلى مدن أخرى و دول الجوار، بينما يعاني أكثر من 30 مليون مواطن اليوم من نقص الغذاء والخدمات الصحية.
خلال هذه السنوات الثلاث، أدت الحرب إلى تشريد مئات الآلاف من الأطفال الذين أصبحوا بلا مأوى وخارج دائرة التعليم. كما أدى انعدام الأمن وسوء التغذية إلى انهيار النظام الصحي وانتشار الأوبئة مثل الكوليرا والملاريا وسوء التغذية، خاصة في مخيمات النزوح.
فمن بين نحو 750 مستشفى في السودان، لا يعمل منها بصورة شبه كاملة سوى حوالي 250 مستشفى فقط، كما تضررت أو توقفت عن العمل نحو 2300 صيدلية و25 مصنعًا للأدوية، وكان عدد الأطباء قبل الحرب يقارب 35 ألف طبيب، يعمل منهم الآن فعليًا داخل السودان نحو 15 ألفًا فقط، بينما هاجر الباقون أو توقفوا عن العمل بسبب النزوح وانعدام الأمن، إضافة إلى هجرة آلاف الكوادر الطبية الأخرى.
يصاحب هذا الوضع الصحي الكارثي شبه انهيار في المنظومة الاقتصادية، وعلى رأسها القطاع الزراعي الذي يُعد العمود الفقري للاقتصاد السوداني، خاصة في مناطق الجزيرة وكردفان والقضارف ، إذ تبلغ نسبة القوة العاملة في القطاع الزراعي حوالي 61% من القوة العاملة في السودان، وقد أدى تدمير البنية التحتية الزراعية من قنوات الري والمخازن والأسواق ونقص الوقود والبذور والأسمدة والآلات الزراعية إضافة إلى نزوح المزارعين إلى خسائر اقتصادية تُقدّر بحوالي 15 مليار دولار.
كما تراجعت الأراضي المزروعة من 17 مليون هكتار إلى 7 ملايين هكتار فقط، أي خروج نحو ٪60 من الأراضي الزراعية من الإنتاج، فعلى سبيل المثال، انخفض إنتاج الحبوب من نحو 6 ملايين طن إلى ما يقارب النصف، مع انخفاض كبير في إنتاج السمسم والفول السوداني، وقد انعكس ذلك بدوره على بقية القطاعات الاقتصادية، فتضررت الصناعة الزراعية مثل مصانع السكر والأعلاف والزيوت النباتية، كما تأثر قطاع التجارة، فانخفضت كميات السلع الغذائية في الأسواق وارتفعت الأسعار، مما أدى إلى تضخم كبير.
استمرار الحرب بصورة منتظمة أو عبر هجمات متقطعة باستخدام الطائرات المسيرة وغيرها سيؤدي لمزيد من التدهور لهذا الوضع الاقتصادي الكارثي، كما أن التطورات الإقليمية، مثل التوترات والحروب في المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وما قد يترتب عليها من استهداف لدول الخليج والتوتر في البحر الأحمر سيؤدي لانخفاض الوارد وقطع المعونات التي كانت تأتي للسودان، ناهيك عن انشغال او اهمال الراي العالمي للأزمة السودانية، مما يفرض على السودانيين الآن أكثر من أي وقت مضى البحث عن حل سوداني لإيقاف الحرب.
إن استمرار هذه الحرب العبثية سيؤدي إلى تدمير ما تبقى من مقدرات السودان، وقد يفضي إلى قيام دولة أو أكثر ضعيفة ومنهكة اقتصاديًا وعسكريًا، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تدخلات القوى الإقليمية والدولية في السودان لاقتطاع أجزاء من أراضيه أو استغلال موارده اقتصاديًا وسياسيًا.
لذلك أصبح إيقاف الحرب وإيجاد حل سوداني أمرًا حتميًا. وإذا لم يتحقق ذلك سريعًا، فقد يقود الوضع إلى انهيار كامل للدولة السودانية وربما إلى اندلاع نزاعات قبلية وجهوية على ما تبقى من البلاد، بما ينذر بمزيد من الدماء والدمار. من هنا أجدني أساهم في التفكير بصوت عالٍ لإيجاد حل سوداني عملي وواقعي يوازن بين الحسم العسكري والحل السياسي وإمكانات الجمع بينهما.
في البداية يجب التأكيد على أن القوات المسلحة السودانية هي ركن أساسي من أركان الدولة السودانية، ودورها حماية الدولة، أما قوات الدعم السريع فهي قوات مساندة ارتكبت أخطاء جسيمة في حق الشعب السوداني، كما يتحمل المسؤولية كل من ساهم في إنشائها ومنحها الشرعية الدستورية ودعمها عسكريًا وماليًا.
نعم، تشير القراءة الواقعية للوضع الميداني إلى أن القوات المسلحة قد تحقق النصر بالحسم العسكري في نهاية المطاف، ولكن لربما يستغرق ذلك الأمر عدة أشهر أو بضع سنوات، وسيتم بعد وقوع المزيد من الخسائر البشرية والمادية وحدوث انهيار اقتصادي وتوقف الإنتاج وتفكك اجتماعي، خاصة مع التداخلات القبلية وصعوبة ضبط الحدود مع دول الجوار.
لكنه، حتى بعد النصر فإن المساحة الجغرافية الواسعة للسودان ستجعل من الصعب السيطرة الكاملة على الأرض بصورة دائمة، مما قد يحول الحرب إلى حرب استنزاف أو حرب عصابات عبر هجمات محدودة واغتيالات وتخريب اقتصادي.
أذن الحل الأكثر واقعية والأقل تكلفة إنسانية واقتصادية هو الدخول في مفاوضات والتوصل إلى تسوية سياسية، وهو ما حدث في كثير من الحروب الأهلية الطويلة، وكمثال، الحرب الأهلية في موزمبيق (1992-1977)والتي راح ضحيتها نحو مليون شخص، وانتهت باتفاق روما للسلام.، وانتهت الحرب الأهلية في لبنان (1990-1975) التي قُتل فيها نحو 150 ألف شخص باتفاق الطائف، وكذلك انتهت الحرب الأهلية في ليبيريا )1989 (2003- والتي قُتل فيها نحو 250 ألف شخص، باتفاق سلام.
تهدف هذه المفاوضات أساسًا إلى تقليل الخسائر البشرية والحفاظ على وحدة السودان، ومنع ظهور عدة جيوش تسيطر على مناطق مختلفة كما حدث في ليبيا واليمن، أو انقسام الدولة إلى كيانات متعددة كما هو الحال في الصومال.
ولعل أول خطوة إيجابية هي الاتفاق على وقف إطلاق النار الشامل، بما في ذلك وقف الهجمات بالطائرات المسيرة، تحت رقابة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، لأنه بدون وقف القتال لا يمكن البدء في أي عملية سياسية.
بالرغم من رفضي التام لوجود حكومتين في الخرطوم ونيالا، لكنه يبقى أمر واقع ومفروض بقوة السلاح، ولهذا ينبغي أن تشمل المفاوضات ممثلين مدنيين من الحكومتين إلى جانب العسكريين، ثم يتم الاتفاق على عودة النازحين إلى مناطقهم بأمان وفتح الممرات الإنسانية لإدخال الغذاء والدواء والعمل على خروج القوات العسكرية من الأحياء السكنية.
كما يمكن الاتفاق على تشكيل مجلس تنسيقي بين الحكومتين المدنيتين يكون مقره في مدينة الأبيض باعتبارها موقعًا متوسطًا بين الخرطوم ونيالا، ويمكن أن يتطور هذا المجلس لاحقًا ليصبح مجلسًا سياديًا يشرف على الحكومتين بهدف الوصول لألية توحيد المؤسسة العسكرية عبر تفكيك قوات الدعم السريع وبقية التشكيلات المسلحة، وإعادة دمج من لم تثبت إدانتهم في مؤسسات الدولة المختلفة بحسب مؤهلاتهم، على أن تتم هذه العملية خلال فترة انتقالية قد تمتد إلى خمس سنوات.
كما يمكن للمجلس السيادي هذا تشكيل مجلس شعب يضم 100 شاب وشابة دون سن الأربعين من الكفاءات غير الحزبية، يتم اختيارهم عبر انتخابات محلية على مستوى الأحياء السكنية، بحيث يمثل كل إقليم عددًا متساويًا من الشباب والشابات.
ومن خلال مجلس الشعب يتم انتخاب حكومة انتقالية لمدة أربع سنوات تتولى اختيار أحد الدساتير السودانية الموجودة كدستور مؤقت والاعداد للانتخابات القادمة بعد 4 سنوات عبر فتح الباب أمام القوى المدنية والأحزاب للمشاركة في العملية السياسية.
كما تعمل هذه الحكومة الانتقالية المدنية على التواصل مع المؤسسات الدولية المانحة للحصول على الدعم المالي والاقتصادي اللازم لإعادة الاستقرار الاقتصادي، والإشراف على برامج المصالحة الوطنية.
عودا على بد، صحيح أن الأطراف العسكرية هي التي تحمل السلاح، وصحيح أن لكل منها الآن سلطة أمر واقع، لكن لا يمكن بأي حال تغييب الشعب السوداني، فهو صاحب المعاناة الحقيقية وصاحب المصلحة الأولى في إنهاء الحرب، ولذلك يجب أن يلعب الشعب دورًا محوريًا في وقف الحرب، وبما أن الحرب الان انتقلت الى كردفان ودارفور وبما أن القبائل لها تأثير كبير في السودان وخاصة في دارفور، فمن المهم أن تعلن القبائل رفضها للحرب والتصالح فيما بينها ، ومنع انضمام أبنائها للأطراف العسكرية خارج قوات الشعب المسلحة.
كما ينبغي أن تتوافق القوى المدنية من أحزاب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني على توحيد الصوت الشعبي ضد الحرب تحت شعار:الشعب لا يريد استمرار الحرب” ، فعندها فقط يمكن أن يشكل الضغط الشعبي قوة حقيقية تدفع الأطراف العسكرية إلى التفاوض وإنهاء الحرب.




