مقالات كل العرب

بين الاعتذار و التهديد.. أي إيران تتحدث الى دول الجوار؟

بين الاعتذار والتهديد… أيُّ إيران تتحدث إلى الجوار؟

أ. زياد المنجد

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بدت الرسائل الصادرة من طهران وكأنها تسير في اتجاهين متناقضين. فبينما خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان معتذراً لدول الجوار عن الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أصابت أهدافاً مدنية، لم تمضِ ساعات حتى جاء تصريح مختلف تماماً من رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي يهدد فيه باستهداف دول الجوار التي توجد فيها قواعد أمريكية.

هذا التناقض في الخطاب لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في وجهات النظر داخل مؤسسات الحكم، بل يعكس على الأرجح حالة من الارتباك السياسي في إدارة واحدة من أخطر الأزمات التي تشهدها المنطقة منذ سنوات. فالاعتذار، في السياسة، ليس مجرد كلمة عابرة؛ إنه رسالة تهدئة يفترض أن تعني رغبة في احتواء التصعيد وتجنب توسيع دائرة الحرب. لكن عندما يترافق الاعتذار نفسه مع تهديد مباشر لدول المنطقة، فإن الرسالة تتحول إلى غموض سياسي يثير القلق أكثر مما يبعث على الطمأنينة.

دول الجوار التي تضم على أراضيها قواعد عسكرية أمريكية لم تختر بالضرورة أن تكون طرفاً في هذه المواجهة، لكنها قد تجد نفسها فجأة في قلبها إذا تحولت التهديدات إلى أفعال. ولهذا فإن التصريحات المتناقضة الصادرة من طهران تضع هذه الدول أمام معضلة حقيقية: هل تأخذ باعتذار الرئيس الإيراني، أم تستعد لسيناريوهات التصعيد التي يتحدث عنها مسؤولون آخرون في الدولة؟

الأمر الأهم في هذه المسألة لا يتعلق فقط بتناقض التصريحات، بل بالسؤال الأعمق: من الذي يحدد فعلياً سياسة إيران الخارجية في لحظة الحرب؟ هل هو الخطاب السياسي الذي يحاول تهدئة الجوار، أم خطاب القوة الذي يلوح بتوسيع دائرة المواجهة؟ إن غياب الإجابة الواضحة عن هذا السؤال يجعل المنطقة بأسرها أمام حالة من الضبابية الاستراتيجية.

فالسياسة، خصوصاً في أوقات الأزمات، تحتاج إلى وضوح في الرسائل لا إلى ازدواجية في الخطاب. عندما تعتذر دولة لجيرانها ثم يعود مسؤول آخر فيها ليهددهم، فإن ذلك لا يربك الجيران فحسب، بل يضعف أيضاً مصداقية الرسالة السياسية نفسها.

والحقيقة أن المنطقة اليوم تقف على حافة مرحلة بالغة الخطورة؛ فالحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تبقى محصورة بين طرفين، وغالباً ما تتحول بسرعة إلى صراعات أوسع تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية. وفي مثل هذا المناخ، فإن التصريحات المتناقضة ليست مجرد كلمات في وسائل الإعلام، بل قد تكون شرارة إضافية تدفع نحو مزيد من التصعيد.

من هنا، فإن المسؤولية السياسية تقتضي أن تكون الرسائل الصادرة من طهران واضحة ومتسقة. فدول الجوار لا يمكنها أن تتعامل مع خطابين متعارضين في الوقت نفسه: خطاب يعتذر وخطاب يهدد. وإذا كانت إيران تريد فعلاً تجنب توسيع دائرة الصراع، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر ازدواجية التصريحات، بل عبر موقف سياسي واحد واضح لا يترك مجالاً للتأويل.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي يطرحه كثيرون في المنطقة اليوم بسيطاً لكنه عميق الدلالة: عندما تتحدث طهران إلى جيرانها، أيُّ إيران هي التي يجب أن تُفهم رسالتها — إيران الاعتذار أم ايران التهديد؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى