“التوافقية” ضرورة دستورية في دستور دولة فلسطين

“التوافقية” ضرورة دستورية في دستور دولة فلسطين
د. رمزي عودة
قدّمت اللجنة المكلّفة من الرئيس محمود عباس مسودة دستور دولة فلسطين، وحسب مرسوم الرئيس، فإن هذه المسودة ستكون خاضعة للنقاش العام، على أن تُطرح للاستفتاء بعد ستين يوماً من إطلاقها للجمهور. وبصرف النظر عن التقييم الإجرائي لهذه الخطوة، فإن النقاش الحقيقي يجب أن يتركّز على سؤال جوهري، وهو : هل تعكس المسودة طبيعة المجتمع الفلسطيني المنقسم سياسيًا وجغرافيًا؟ وهل توفر أدوات دستورية حقيقية لإدارة هذا الانقسام بدلًا من تركه رهينة للظروف السياسية المتغيرة ؟
ومما لا شك فيه أن مسودة الدستور المنشورة تُعد متقدمة مقارنة بالقانون الأساسي الفلسطيني المُقر عام 1996، كما أنها متقدمة أيضاً على مسودة دستور دولة فلسطين التي طُرحت سابقاً من قبل لجنة خاصة في المجلس الوطني الفلسطيني. وهنا، فإنني أقصد بـ”المتقدمة” اهتمامها الكبير بموضوع الحريات وحقوق الإنسان، ومأسسة مؤسسات الدولة المختلفة، بما في ذلك تفعيل قيم الفصل بين السلطات واستقلالية السلطة القضائية، وغيرها من مرتكزات الأنظمة السياسية الديمقراطية الحديثة. وفي الواقع، فإن التطور الشكلي في النصوص لا يكفي إذا لم يُترجم إلى هندسة دستورية قادرة على استيعاب التباينات السياسية والاجتماعية في المجتمع الفلسطيني. وهنا تكمن الإشكالية.
وبغضّ النظر عن أي ملاحظات يمكن تقديمها في مجال تعديل أو إضافة المواد القانونية المتضمنة في هذه المسودة، إلا أنني أكاد أجزم بخلوّها من مؤشرات الديمقراطية التوافقية التي أعلن مبادئها عالم النظم السياسية المقارنة ليبهارت، والذي اعتبرها بمثابة طوق النجاة للأنظمة السياسية الحديثة والمنقسمة. وعندما طبّقتُ نظرية ليبهارت على القانون الأساسي الفلسطيني في رسالة الدكتوراه الخاصة بي حول النظام السياسي الفلسطيني، وجدتُ بشكل لا لبس فيه أن مؤشرات التوافقية غابت بوضوح عن هذا القانون العام. والغريب أن اللجنة التي صاغت مسودة الدستور الحالية غاب عنها أيضاً تضمين مبادئ الديمقراطية التوافقية في هذه المسودة، رغم أهميتها في إنهاء الانقسامات السياسية في المجتمع الفلسطيني. وفي هذه الحالة من الانقسام، لا يكفي الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، بل يجب ضمان مشاركة حقيقية لجميع المكونات الأساسية للمجتمع في عملية صنع القرار.
وفي هذا الإطار، وعند إسقاط هذا النموذج على الحالة الفلسطينية في ظل الاحتلال، يتضح أن الانقسام السياسي الممتد منذ عام 2007، إضافة إلى التباينات الأيديولوجية والجغرافية والاجتماعية، يجعل من اعتماد نموذج الأغلبية البسيطة في الانتخابات مغامرة دستورية محفوفة بالمخاطر. فالدستور ليس وثيقة لإدارة مرحلة الاستقرار، بل هو إطار لإدارة الأزمات المحتملة أيضاً. ومن هنا، فإن غياب مؤشرات الديمقراطية التوافقية عن مسودة الدستور يُعد ثغرة جوهرية ينبغي تداركها.
في الاطار السابق، يمكننا القول بأنه قد غابت عن هذه المسودة المبادئ الرئيسية في النظرية التوافقية، وهي:
أولًا: تقاسم السلطة (الائتلاف الواسع)
واقصد بذلك تقاسم السلطة بين أكبر عدد من التباينات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويمكن اختزال ذلك في ضرورة تضمين النص الدستوري على تشكيل حكومة ائتلافية حاكمة واسعة لا تنال فقط ثقة البرلمان، وإنما تشتمل أيضاً على مختلف الفئات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهذا يشبه إلى حد كبير حكومات التوافق الوطني، مضافًا إليها ممثلون عن معظم الفئات السياسية والاجتماعية والدينية، كالفقراء والنساء والمسيحيين، إضافة إلى مراعاة التوزيع الجغرافي والمفكرين وغيرهم.
ثانيًا: تبني نمط اللامركزية في الإدارة والحكم
وذلك من خلال إعطاء صلاحيات أوسع للإدارات المحلية في المحافظات الشمالية والجنوبية، بحيث تشمل هذه الصلاحيات مجالات الصحة والتعليم وكافة الخدمات التي تقدمها الإدارة للمجتمع المحلي. بمعنى آخر، تقوم الحكومة المركزية بتوزيع المهام والصلاحيات على الإدارات المحلية المنتخبة. وبالفعل، فإن انتشار النمط اللامركزي يعزز المشاركة والانتماء والفعالية، ويحمي الوطن من الانقسامات والصراعات.
ثالثًا: اعتماد أنظمة انتخابية نسبية في كافة مستويات الانتخابات العامة والمحلية.
حيث أن الأنظمة الانتخابية النسبية توفر نتائجها قواعد أوسع للمشاركة والتمثيل، وتحدّ من الإقصاء والعشائرية.
رابعا: حق الاعتراض (فيتو الأقليات)
لا يُقصد به تعطيل الدولة، بل توفير صمام أمان دستوري يمنع تمرير سياسات تمسّ الحقوق الجوهرية للمكونات الأساسية في المجتمع. فالأغلبية البرلمانية لا ينبغي أن تتحول إلى أغلبية مطلقة تتجاوز حدود الشراكة. وفي هذا الاطار، فإن حق اعتراض الاقليات يكمن بمنح الأقليات حق الاعتراض على أي قرارات أو سياسات أو توجهات قد تضر بحقوقها أو بحقوق الفئات المهمشة والضعيفة. ومن خلال هذا الفيتو نضمن عدم تجاوز الأغلبية الحاكمة أو إضرارها بحقوق الأقليات أو الأحزاب التي خسرت الانتخابات. بمعنى آخر، لا يستطيع حزب الأغلبية جرّ الدولة إلى مستنقع الفوضى أو الإضرار بمكتسبات أحزاب وجماعات الأقلية. إن هذا المبدأ يرتبط بالديمقراطية التوافقية؛ فالحزب الفائز في الانتخابات لا يستطيع الاعتماد فقط على حجم المقاعد التي حصل عليها للإضرار بحقوق ومكتسبات الأحزاب التي لم تفز بفرصة الحكم، أو حتى بالفئات المهمشة أو الأقليات التي لا تستطيع إقرار سياسات تحمي مصالحها.
وفي النهاية، إن جوهر حجتنا في ضرورة تضمين مبادئ الديمقراطية التوافقية في دستور دولة فلسطين يتمثل في أن الدستور الفلسطيني المنشود يجب أن يكون أداة لإدارة التعددية والانقسام، لا مجرد وثيقة تنظم السلطات. فالمجتمع الفلسطيني ليس مجتمعاً متجانساً سياسياً، بل هو مجتمع تعددي عانى انقساماً عميقاً وطويلاً، ولا يمكن تجاوز هذا الواقع بنصوص عامة حول الحريات والفصل بين السلطات فقط. المطلوب هو هندسة دستورية تعترف بالتعددية وتدير الانقسامات وتؤسس لشراكة وطنية مستدامة. وعليه، فإن تضمين مبادئ الديمقراطية التوافقية في مسودة الدستور لا يُعد ترفاً نظرياً، بل ضرورة واقعية لضمان الاستقرار السياسي، وحماية حقوق الإنسان، وصون الوحدة الوطنية. فالدساتير الناجحة لاسيما في الدول المنقسمة، لا تُبنى على افتراض الانسجام، بل تبنى على إدارة الانقسام.




