مقالات كل العرب

“معهد العالم العربي” وإنكسار “صورة المثقف التنويري” 3

وودي آلن: "العراب" بين جاك لانغ وجيفري أبستين

“معهد العالم العربي”، وانكسار “صورة المثقف التنويري” (3)
وودي آلن: “العرّاب” بين جاك لانغ وجيفري أبستين

 

أ. شاكر نوري

تبدأ الحكاية في تلك المنطقة الرمادية حيث تلتقي “هيبة الدولة” بـ “سيولة المال”. لم يكن اللقاء بين جاك لانغ وجيفري أبستين مجرد مصادفة في صالون باريسي أنيق، بل كان “عناقاً قدرياً” بين عصرين: عصر “الأنوار” المتعبة التي تبحث عن تمويلٍ لبهرجها، وعصر “الافتراس” الصاعد الذي يبحث عن “شرعية” تغسل آثامه. كانت المصافحة الأولى.. حين غازلت الأنوارُ ظلامَ الكاريبي.

في عام 2012، وتحت أضواء باريس الخافتة، كان المخرج وودي آلن هو “المايسترو” الذي ضبط الإيقاع لهذا اللقاء. آلن، الصديق المشترك والقاسم المشترك في قصص “الظلال العائلية”، قدم “أبستين” للعائلة كـ “محسنٍ كبير” وعاشقٍ للفن. في تلك اللحظة، لم يَرَ “جاك لانغ” في أبستين ذلك المدان بجرائم جنسية منذ 2008، بل رأى فيه “أجنحةً طائرة” (Private Jets) تليق بمقامه، و”خزائن مفتوحة” يمكنها أن تُطعم طموحات ابنته كارولين.
تقول القاعدة البريسونية ـــ في سياق تحليلنا، تُشير “القاعدة البريسونية” إلى المنهج الفلسفي والجمالي للمخرج الفرنسي روبرت بريسون (Robert Bresson)، وهي قاعدة تقوم على “التقشف الروحي” و”تجريد المادة للوصول إلى الحقيقة العارية” ـــ إن “العين ترى ما يحبه القلب”، وفي حالة آل لانغ، كانت العين ترى “الرفاهية المطلقة”. لقد انبهرت “الأيقونة الفرنسية” بذكاء أبستين الحاد وقدرته على شراء “الزمن” و”المسافات”. هنا، سقطت حصانة المثقف أمام إغراءات “المعدة”؛ حيث الغداءات الفاخرة في نيويورك، والوعود بدعم “الفنانين الشباب”. لقد كانت المصافحة الأولى هي “التوقيع الضمني” على عقدٍ لا يُقرأ بالحبر، بل بـ “الصمت المتبادل”.
دخلت كارولين المشهد كـ “وسيطة روحية” وفنية، وسرعان ما تحولت من ابنة لوزير إلى “شريكة في التأسيس”. لقد أقنعها “أبستين” بأنه يريد أن يجعل من جمالها وخبرتها واجهةً لـ “إمبراطورية فنية” (Prytanee LLC). هنا، نرى كيف بدأت “السذاجة المفتعلة” تتشكل؛ حيث غضَّت الطرف عن “غوغل” وعن ضحايا فلوريدا، لتستمتع بـ “سيولة المعنى” التي يوفرها المال.
لم تكن المصافحة مجرد لمس بالأيدي، بل كانت “انتقالاً للعدوى”. عندما قبل “جاك لانغ” مفاتيح سيارات أبستين وطائرته، كان يعلن انضمامه لـ “النخبة الأبستونية”؛ تلك التي تؤمن بأنَّ الأخلاق هي مجرد “نص أدبي” يُقرأ في الكتب، أما الواقع فهو ملكٌ لمن يملك “السيولة”. لقد صافحت الأنوارُ الظلام، فاشتعلت “نارُ الفضيحة” التي ستحرق لاحقاً كلَّ أوراق التوت.


لقد كان اللقاء الأول هو “الخطيئة الأصلية”. وبدلاً من أن تطهر الأنوارُ ظلامَ أبستين، غرق “الوزير” في عتمةِ “الملياردير”. لقد انتهى الفصل، وظل صدى الضحكات في صالونات نيويورك يتردد كـ “نذيرٍ شؤم” لزلزالٍ سيأتي بعد عقدٍ من الزمان ليدمر كل شيء.
في هذه المتاهة، نرى كيف تتحول “الأحلام الفنية” إلى “أرقامٍ سرية”، وتُبنى الصروحُ فوق رمالٍ لا تعرفُ الثبات. إذا كان بريسون قد علّم كارولين لانغ أنَّ الفنَّ هو “تجريدٌ للمادة”، فإنَّ جيفري أبستين قد علّمها أنَّ الفنَّ هو “تغطيةٌ للمال”. في عام 2016، وُلدت شركة “بريتاني” لم تكن مجرد كيانٍ تجاري، بل كانت “مِحراباً ماليّاً” شُيّد في جزر العذراء الأمريكية، حيث لا تشرقُ شمسُ الضرائب، وحيثُ تُدفنُ الأسرارُ في خزائنَ “الأوفشور”.
تحت ستار “دعم الفنانين الشباب”، تم رصفُ الطريقِ لهذه الشراكة. لقد قدّم أبستين “بريتاني” كهديةٍ مغلفةٍ بالجمال لآل لانغ، مستغلاً اسمهم التاريخي ليعطي لشركته “شرعيةً ثقافية”. 1.4 مليون دولار وُضعت في الحسابات، لم تكن لدعم ريشةِ رسامٍ أو إبداعِ نحات، بل كانت “أحجاراً” في جدارِ النفوذ الذي يبنيه أبستين حول النخبة الفرنسية. كارولين، التي اعترفت لاحقاً بـ “سذاجتها المذهلة”، كانت هي “الوجهَ الأيقوني” الذي يمنحُ هذا المالَ المشبوهَ رائحةَ “الأنوارِ الباريسية”. في دهاليز هذه الشركة، ظهر اسم جاك لانغ (Jacques) بتهجئةٍ خاطئة كعادة أبستين في الاستهتار بالهويات واسمه يُكتب بالفرنسية Jack . لم يكن الوزير مجرد صديق، بل كان “الضامن الروحي” لهذه المغامرة. إنَّ ذكر اسمه في قوانين الشركة، بجانب ابنتِهِ وأبستين، يعكسُ حالة “الارتباط المصيري”؛ حيث تتحول العائلةُ بأكملها إلى “موديلات” في فيلمٍ ماليٍّ يخرجه “الشيطان” ويُنتجه “المال المهرب”.
هل هي فلسفةُ الرمال والبناءُ على حافةِ الهاوية، في “الأوفشور” هو بناءٌ على الرمال؛ فهو يمنحُكَ شعوراً بالحرية من القانون، لكنه يجعلكَ رهينةً لمن يملكُ المفاتيح. لقد سقط آل لانغ في فخ “السيولة الأخلاقية”؛ حيث المال لا هوية له، والشركة لا وجود فيزيائياً لها في فرنسا. لقد استبدلوا “الوضوحَ التنويري” بـ “الغموضِ الضريبي”، وظنوا أنَّ جدران “بريتاني” ستحميهم من رياح المحاسبة، فإذ بها تتحول إلى “قنصلياتٍ للعجز” عندما بدأت الوثائق تتسربُ كالماء من بين الأصابع. لم يكتفِ أبستين بالشركة، بل أراد أن يربطَ كارولين به حتى “ما بعد الموت”. في وصيته التي كُتبت قبل انتحاره بيومين، برز اسمها كوارثة لـ 5 ملايين دولار. هذه الوصية كانت “الصرخةَ الأخيرة” في هذا الفصل؛ إنها الدليلُ على أنَّ العلاقة لم تكن “سذاجة” بل كانت “تخطيطاً استراتيجياً” لتقاسم الغنيمة. لقد بنى أبستين قصره فوق الرمال، وعندما انهار، جرَّ معه “آيقونة الأنوار” إلى أعماق المحيط. في “بريتاني”، سقطت الأقنعةُ تماماً. لم يعد الأمرُ يتعلقُ بالفن، بل بـ “إعادة تدوير النفوذ”. لقد انتهى الفصلُ بشركةٍ تُصفي أعمالها، ووزيرٍ يحاولُ غسلَ يديه، وابنةٍ تندبُ “سذاجتها”، بينما التاريخُ يسجلُ بمدادٍ من “النيابة المالية” تفاصيلَ السقوط الكبير.
هنا، تتوقفُ الموسيقى الكلاسيكية التي كان “أبستين” يَعزفها ببراعةٍ في صالونات “بالم بيتش” و”باريس”، لترتفعَ بدلاً منها صرخةُ “الرسائلِ المسربة”. لقد كانت الرسائلُ الإلكترونية بمثابة “الأشباح” التي استيقظت من رقادها الطويل، لتكشفَ أنَّ الصمتَ الذي لفتْهُ عائلةُ “لانغ” حول علاقتها بالملياردير، لم يكن صمتَ النساك، بل كان “صمتَ المترقبين” لخاتمةٍ لم تأتِ كما اشتهوا. لم تكن الرسائل مجرد تبادلٍ للمعلومات، بل كانت “اعترافاتٍ غير مقصودة”. حين كتبت كارولين لأبستين تُعزيه في هزيمة والدها الانتخابية، كانت تخيطُ خيوطاً متينة من “الولاء العاطفي” مع رجلٍ يُمثلُ نقيضَ الدولة والقانون. وحين ردَّ هو بعبارته الصوفية المسمومة: “أنا معكِ بالروح”، كان يُعلنُ استحواذَهُ على “روحِ العائلة” التي ظنت أنها تملك زمام أمرها. لقد تحول البريد الإلكتروني من وسيلة تواصل إلى “مبضع جراح” شقَّ حجاب “السذاجة” ليُظهرَ وراءهُ تنسيقاً دقيقاً ومستمراً. يبرزُ هنا مشهدٌ سريالي: “جاك لانغ” يطلُّ من شاشاتِ التلفاز ليدافعَ عن صديقهما المشترك “وودي آلن”، مندداً بـ “قطيع” المطالبين بالعدالة. وفي الكواليس، كانت الابنةُ تُرسلُ التقريرَ لـ “أبستين” كأنها تطلبُ “مباركةَ المدير”.
لقد كانت الموسيقى التصويرية لهذا المشهد هي “صوتُ الانكسار الأخلاقي”؛ حيثُ تُستخدمُ المنابرُ العامة لتبييضِ سُمعةِ “الدائرةِ الضيقة”، وتتحولُ “الأيقونةُ الثقافية” إلى جنديٍّ في معركةِ حمايةِ المتهمين. تظهرُ في الرسائلِ كلمةٌ متكررة كاللازمةِ الموسيقية: “The Deal” (الصفقة). أيُّ صفقةٍ هذه التي كان يبحث عنها “أبستين” مع أصدقاء “جاك لانغ”؟ هنا، تبلغُ المتاهةُ ذروتها؛ حيثُ يتداخلُ الفنُّ بالمالِ بالسياسةِ في “خلاطٍ” أبستونيٍّ لا يُخرجُ إلا السموم. الصمتُ هنا لم يعد خياراً، بل صار “وشايةً صامتة” تقول إنَّ ما تحت الطاولة كان أعظمَ بكثيرٍ مما فوقها، وأنَّ “المعدة” الأوليغارشية كانت تلتهمُ “الأنوار” الفرنسية في كل مأدبةٍ جمعتهم.
عندما انفجر “زلزالُ الوثائق”، لم ينفع التهديدُ بالقضاء ولا التذرعُ بالصداقاتِ القديمة. كانت “سوناتا الوشاية” قد بلغت ذروتها بفتحِ تحقيقِ “النيابةِ المالية”. الاستقالةُ التي قدمتها كارولين من نقابة المنتجين لم تكن فعلاً بطولياً، بل كانت “انكساراً للعصا”؛ اعترافاً بأنَّ اللحنَ قد انتهى، وأنَّ الجمهورَ قد اكتشفَ الزيفَ خلف القناع. لقد غادر “آل لانغ” المسرح، ليس تحت تصفيقِ المعجبين، بل تحت وطأةِ حقائقَ سطرها “أبستين” في أرشيفه الملعون قبل أن يغادر العالم.
انتهى العرض، وبقيت الرسائلُ كـ “بقايا حطام” على شاطئِ التاريخ. لقد عزفت الرسائلُ لحنَ الوداع الأخير لأسطورة “المثقف المنزه”، وكشفت أنَّ المتاهة كانت دائماً تودي إلى هاويةٍ واحدة. “جاك لانغ” الذي أراد “عبور القرن”، وجد نفسه عالقاً في “ثانيةٍ من الحقيقة” المُرّة التي لن يمحوها زمن.
في نهاية المطاف، لم تكن متاهةُ “أبستين” مجرد فخٍ لجمعِ المال، بل كانت “مقصلةً للأخلاق” أطاحت برؤوس الأيقونات التي ظنَّت أنها لا تُمسّ. اليوم، يقف “جاك لانغ” وابنته كارولين أمام حطامِ إرثٍ ثقافي شُيّد عبر عقود، ليكتشفا أنَّ “الخطيئة المادية” لا تُغسل ببيانات الاستنكار، وأنَّ التاريخ، ذلك القاضي الصارم، لا يكتبه “المنتجون المأجورون”، بل يكتبه “أنينُ الضحايا” ورسائل البريد التي لا تكذب.
السقوط الحقيقي لجاك لانغ لم يكن في ترك “معهد العالم العربي”، بل في انكسار “صورة المثقف التنويري”. لقد أثبتت المتاهة أنَّ “الاستثناء الثقافي الفرنسي” كان قناعاً لطبقة أوليغارشية ترى في القوانين “مجرد وجهات نظر” وفي الجرائم “هفوات صديق”. إن قيامة الحقيقة اليوم تعلن أنَّ “المعدة” إذا حكمت العقل، حولت الفلسفة إلى “نخاسة” والأنوار إلى “عتمة”، لتصبح الأيقونة مجرد حطامٍ يذروه الرياح في جزر الكاريبي.
إن الفصل الأخير لا يكتبه آل لانغ بتهديداتهم القضائية، بل يكتبه “الضمير المستيقظ” للمجتمع. التطهير يبدأ من اللحظة التي نرفض فيها أن يكون الفن مطيةً للمجرمين. لقد انتهت حفلة التنكر، وانكشفت الوجوه عارية خلف الادعاءات الزائفة. قيامة الحقيقة تقتضي أن تُعلق “أيقونة لانغ” في متحف “التحذير التاريخي”؛ لتكون درساً للأجيال القادمة بأن الجمال الذي لا يحميه الضمير هو أقبح أنواع القبح.
في هذه المتاهة، حاول أبستين أن يكون هو “المخرج”، وحاول آل لانغ أن يكونوا “الأبطال”، لكنَّ “القدر” اختار أن يكون هو “الكاتب”. الفصل الأخير يُكتب الآن بمداد من “الشفافية الروحية”؛ حيث لا مكان لشركات “الأوفشور” ولا للوصايا الملعونة. لقد رحل أبستين بجسده، ورحل لانغ بسمعته، وبقيت الحقيقة عارية كفجرٍ لا يرحم؛ تخبرنا أنَّ “الروح” إذا بيعت للمادة، فلن يجد المرءُ طريقاً للخروج من المتاهة ولو امتلك أجنحة الطائرات كلها.
لقد أُغلق الكتاب، وانتهى “عبور القرن” عند بوابة “الندم المتأخر”. لم يعد “جاك لانغ” أيقونةً للثقافة، بل صار “عبرةً فلسفية” عن كيفية سقوط العظماء عندما يصافحون الظلام.
الحقيقة قد قامت، والأقنعة قد سقطت، ولم يبقَ سوى “الصمت البريسوني” الحقيقي؛ الصمت الذي يُنصت لآلام الأبرياء، ويغسلُ أدرانَ عصرٍ ظنَّ فيه الأباطرة أنهم يستطيعون شراء “الخلود” بمالِ الخطيئة.
لم يكن مجرد سقوطٍ لوزير، بل كان “زلزالاً أخلاقياً” هزّ أركان الهيكل الثقافي الفرنسي، ليرتطم بريقُ “الأنوار” الباريسية بعتمة “الجزر الملعونة”. في هذه المتاهة، التي نُسجت خيوطها بمدادٍ من الذهب المسموم والشهوات المهربة، وجد “جاك لانغ” —كاهنُ الثقافةِ الأكبر وحارسُ ذاكرةِ ميتران— نفسه عالقاً في مرآةٍ مشروخة، لا يطلُّ منها وجهه الأنيق، بل يبرز من خلفه ظلُّ “جيفري أبستين”؛ ذلك المفترس الذي حوّل العالم إلى “نخاسةٍ مخملية”.
إنها رحلةٌ في “سيكولوجية السقوط”؛ حيث تتحول “الأيقونة” من منارةٍ للتنوير إلى “قناعٍ” يغطي قبح الصفقات السرية ووصايا الملايين. هنا، في ممرات “السيولة الأخلاقية”، تتلاشى الحدود بين “الفن” و”الفضيحة”، وتتحول صالونات المثقفين إلى “مختبراتٍ” لتبييض السمعة بمالٍ غُسل بدموع البراءة. لم يعد “عبور القرن” بالنسبة لآل لانغ رحلةً نحو المجد، بل صار “تِيهاً في غابةِ أبستين”؛ حيث لا تنفع “السذاجة المفتعلة” ولا “بلاغة الخطاب” في حجب رائحة الكبريت التي علقت بثياب “النخبة” وهي تقايض هيبتها التاريخية بـ “أجنحةٍ” مستعارة من خزانة الشيطان.
هذه ليست مجرد قصة عن المال والسلطة، بل هي “مرثيةٌ لزمنِ الزيف”؛ حيث نُبش القبرُ السينمائي لفيلمٍ لم يُولد، لتُدفن معه “أسطورةُ المثقف” الذي ظنَّ يوماً أنه فوق المحاسبة، فإذا به مجرد “موديل” في سيمفونيةٍ جنائزية، يعزف فيها “أبستين” اللحن الأخير على أوتارِ البراءةِ المذبوحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى