مقالات كل العرب

هل اقتربت نهاية قوات الدعم السريع؟

هل اقتربت نهاية قوات الدعم السريع؟

أ. يحيى إبراهيم النيل

نشرتُ بعد أقل من شهر من اندلاع حرب 15 أبريل في السودان مقالاً قلت فيه “إن قوات الدعم السريع قد دخلت حرباً كان ينبغي عليها أن تدرك، بداهة، أنها لن تكسبها لأسباب كثيرة جداً، منها:
عدم تكافؤ القوة في مواجهة القوات المسلحة، التي تجاوز عمرها أكثر من قرن، والتي تمتلك قوات ضاربة برية وجوية قادرة على حسم المعركة لصالحها.
وصعوبة ميدان المعركة حيث أنّ كثيراً من مقاتلي الدعم السريع مدرب على الحروب في المساحات المكشوفة وقد اكتسبت خبرة قتالية في هذا الميدان في دارفور. علاوة على أن معظم مقاتليها لم يشترك في حرب أصلاً، لأنها قامت بعمليات تجنيد واسعة جداً بعد سقوط نظام البشير. والآن وجدت نفسها في خضم حرب مدن في ميدان تجهله وتجهل جغرافيته، هذا إذا وضعنا في الاعتبار أنها قد أدخلت إلى الخرطوم، قبل بضعة أيام من المواجهة الأخيرة، عددا ضخماً من الجنود، وقد يكون بعضم لم ير العاصمة من قبل، فوجدوا أنفسهم في متاهة، خاصة بعد انقطاع الاتصال بقيادتهم، وهو الأمر الذي أكده مندوب الأمين العام للأمم المتحدة في السودان فولكر بيرتيس في إفادته لمجلس الأمن منذ الأيام الأولى للمعارك. مع بُعد قواتها المحاربة عن مقراتها الموجود معظمها في أطراف الخرطوم والأقاليم التي كان من السهل على الطيران والطيران المسير ضربها، الأمر الذي أفقدها إمكانية أرسال الإمداد والتموين الى القوات التي تحارب في وسط المدينة، وأجبر هذه الأخيرة على كسر المتاجر للحصول على الغذاء، وهو أمر مفهوم ومتوقع، فالجوع كافر. لكن، إذا سلمنا أنها استطاعت الحصول على الغذاء بهذه الطريقة، ماذا ستفعل حال نفاذ ذخيرتها؟
يضاف إلى ذلك وجود عدد مقدر من ضباط الجيش والشرطة وجهاز المخابرات منتدبين لديها. وحين يجد الجد، سيكون من الطبيعي والمنطقي انحياز هؤلاء إلى وحداتهم الأم وتصويب أسلحتهم إلى صدور قوات الدعم السريع، مع امتلاك هؤلاء العائدين معلومات بعضها حساس عن الدعم السريع، سيتم استخدامها في ضرب هذه القوات.
والأهم من كل ما سبق فقدان التعاطف الشعبي معها. فمهما كان رأي المواطن في قادة القوات المسلحة لأسباب مختلفة، فإنه يدعم دون شك جيش بلاده لعلمه أن هؤلاء القادة ذاهبون لا محالة وسيبقى الجيش الوطني. كما أفقدها جوعها دعم من تعاطف معها في البداية بعد أن استولت على ممتلكات البعض وطردت بعض المواطنين من منازلهم للاختباء داخلها وجعلها منصات قنص”.
لحظتها غابت عني أشياء استجدت فيما بعد، منها تمكن الدعم السريع من تعويض خسائره البشرية بتجنيد متعاونين من المناطق التي احتلها ومرتزقة من خارج الحدود، مما أثبتته تقارير أممية ومصادر غربية محايدة، واعترفت به دولهم، وتدفق الدعم الخارجي غير المحدود الذي وثقته مئات التقارير الدولية وخيانة قادة بعض وحدات الجيش الذين سلموا وحداتهم للدعم السريع دون إطلاق رصاصة واحدة.
وعندما ذهبت قوات الدعم السريع إلى دارفور، كتبت “هذه بداية نهاية الدعم السريع”، مستنداً على أن انتشار هذه القوات في الأقاليم سيجبرها على سحب بعض مقاتليها من الخرطوم، وعلى أنها لن تحارب الجيش النظامي وحده لأن حركات دارفور المسلحة ستنضم إليه للدفاع عن حواضنها ولأخذ ثارات قديمة في (فنقا) و (قوز دنقو) و (خور بعاشيم) وغيرها. كما ستنهض القبائل الافريقية دفاعاً عن وجودها، مع إمكانية أن تعيد الجوار الدارفوري التي تدعم قوات الدعم السريع حساباتها، عندما يقترب الحريق من سور بيتها.
بالطبع لم تتحقق كل هذه التوقعات، وإن تتحقق بعضها، بسبب مواصلة الدعم الخارجي بصورة أكبر، مع استمرار السند القبلي وتدفق المرتزقة.
لكننا نرى الآن إمكانية حدوث ما توقعنا، خاصة بعدما رأى العالم المجازر التي ارتكبت في الفاشر وغيرها من المدن مما شكل ضغطاً كبيراً على الداعمين وأجبر القوى الغربية التي كانت تغض الطرف عن انتهاكات الدعم السريع، تماهياً مع الكفيل، على رفع صوتها، إن لم يكن بدواعٍ إنسانية، فبسبب ضغوط الاعلام والمنظمات غير الحكومية وبعض نواب برلماناتها. علاوة على دخول داعمين إقليميين جدد للجيش السوداني وتململ الحواضن بعد أن وصل الحريق ديارها وبعدما أحست بفداحة خسائرها البشرية، دون تحقيق ما بُشّرت به.
يضاف إلى ذلك ارتكاب قوات الدعم السريع في كردفان ودارفور، حيث تدور المعارك الآن، نفس الأخطاء التي ارتكبتها في ولايتي الجزيرة وسنار، خاصة الانتشار الأفقي مما صعّب عليها ارسال الامداد و”الفزع”. الأمر الذي أتاح للجيش تطبيق نفس الخطة التي اتبعها في ولايات الوسط، القائمة على ركائز ثلاث: قطع الامداد بضرب القوافل والمخازن، والإنهاك بالضربات الجوية، واصطياد القادة بالمسيرات، والتي مكنته من قبل، وستمكنه الآن، من تحقيق النصر دون خسائر بشرية كبيرة.
يبقى على القوات المسلحة، إن أرادت تسريع الحسم، الالتفات إلى هاملين مهمين:
محاولة اقناع زعماء حواضن الدعم السريع بوقف دعمهم لهذه القوات، أولاً بدحض الحجج التي تحارب تحت رايتها كـ”محاربة الفلول ونشر الديمقراطية وانهاء دولة 56″. والأهم من ذلك تذكيرهم بخسائر قبائلهم من الشباب الذين قضوا بسبب هذه الحجج التي لا تقف على ساق.
تعبئة الحكامات، كما حدث في تسعينات القرن الماضي عند شروع الحكومة وقتذاك في محاربة ظاهرة النهب المسلح. كانت الحكامات، من قبل، يشجعن هذه الجريمة باعتبار من يرتكبونها فرساناً. لكن الحكومة جعلتهن يتحولن إلى ذم هؤلاء باعتبارهم لصوصا ينهبون أموال الأرامل واليتامى.
ودور الحكامات جعل أبكر يوسف آدم يدعو، في مقال نشره في 2013، إلى تسليمهن إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، “لدورهن في التحريض على العنف بتمجيد الفرسان والهمباتة وقطاع الطرق والقتلة […] يأتي السارق بالأموال والرؤوس البشرية والأيدي، وأحيانا بالأعضاء التناسلية، وتتحمل الحكامة عبء التبرير والتلميع وتلفه بهالة من التمجيد وترفع من شأنه وشأنها هي ذاتها في عين القبيلة”.
وأشار الدكتور مصطفى عبد الله الجميل إلى أن إحدى الحكامات كانت لها، في إحدى الحروب، ورقة تسجل فيها اسم كل من عاد من ساحة المعركة، مما منع الجنود من العودة من أرض المعركة، “لخوفه من الهجاء الذي يورّث أسرياً ويطول أجيالاً قادمة من نسل من تم هجاؤه”.
وعن إمكانية تعبأتهن لمناصرة السلام، ذكرت عزة أحمد عبد العزيز أن المنظمات الدولية التي اعتمدتها الدولة السودانية (بعد عام 2004) قد طلبت استخدام الحكامات داخل مجتمعات بعينها لتحويل رسائلهنّ إلى رسائل مُنَاصِرَة للسلام.
وتخبرنا الباحثة سعاد الصادق أن الحكّامات “كنّ سبباً في حل الكثير من القضايا والحروب الأهلية في غرب السودان، حيث أنهن يعكسن المعاناة التي يعشنها بسبب الحروب في أغانيهن وكلماتهن البسيطة فيرضخ لهن كبار القبيلة وحكامها وتتوقف الحرب”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى