مقالات كل العرب

جاك لانغ يبحث عن “خلود” سينمائي و تمويل “أبستين” وصمة عار 2

عبور الى العدم: حين يسقط "القرن" في فخ "الدولارات المسمومة".

جاك لانغ يبحث عن “خلود” سينمائي، وتمويل “أبستين” وصمة عارٍ (2)
عبورٌ إلى العدم: حين يسقطُ “القرنُ” في فخِّ “الدولارات المسمومة”

أ. شاكر نوري

بين ردهات “معهد العالم العربي”، حيث تلتقي ثقافة الشرق بشموخِ باريس، لم يكن “جاك لانغ” مجرد حارسٍ للهوية، بل كان كاهنًا يفتحُ أبواب معبدهِ لقرابينِ “جيفري أبستين”. هناك، في ذلك الصرح الذي أُسس ليحتفي بالحضارة، انحنت الهاماتُ طواعيةً لترضي نـزواتِ الملياردير الأمريكي، وكأنَّ قاعاتِ المعهدِ قد خلعَت رداءَها الثقافي لتلبسَ ثوبَ الخدمةِ المطيعةِ لرجلٍ لَطّخت سُمعتَه خطايا المحاكمِ وسُجونِ الماضي.
“جاك لانغ: عبورُ القرن”؛ عنوانٌ بَـرّاقٌ لفيلمٍ يُرادُ له أن يكونَ أيقونةً سينمائية، لكنه في الحقيقةِ ليس سوى صدىً لتمويلٍ مسمومٍ بقيمة 57 ألف دولار، دفعَها “أبستين” ليشتريَ بها مكانًا في ذاكرةِ التاريخ. يدّعي بطلُ الروايةِ (لانغ) بزهوٍ مريب أنَّ العملَ “سيُبصرُ النورَ قريبًا”، بينما الحقيقةُ تترنحُ خلفَ الكواليس؛ فالمشروعُ الذي وُلدَ من رَحِمِ الفضيحةِ ليس سوى “جنينٍ ميت” طواه النسيان.
يقول أحد أعضاءِ فريقِ التصويرِ ساخرًا، بضحكةٍ تشوبُها مرارةُ العبث:
“هل سيخرجُ الفيلمُ حقًا؟ يا لها من معجزة! سبعُ سنواتٍ من الإنتاج وكأننا نُصور فيلم (أفاتار)! هل نحن أمام ملحمةٍ بصريةٍ تتطلبُ كلَّ هذا الوقت، أم أننا ننتظرُ أن تمحو الأيامُ آثارَ الجريمة؟”
لا توجدُ في هذا الفيلمِ مؤثراتٌ بصريةٌ مبهرة، بل ثمةَ “تلاعبٌ روحي” وقبحٌ مستتر. لقد صُوّر الفيلمُ في عام 2019، في قلبِ معهدِ العالم العربي، حيثُ اختلطت القداسةُ بالدنس، وتحولَ الملاذُ الثقافيُّ إلى مسرحٍ لتمجيدِ “وزيرِ الثقافةِ الأسبق” بأموالِ رجلٍ غرقَ في وحلِ الانتهاكات.
إنها ليست مجرد قصة تمويلٍ عابر، بل هي استعارةٌ لزمنٍ تُباع فيه الذممُ في مزادِ “الصداقاتِ المشبوهة”. لقد أرادوا أن يصنعوا من “لانغ” عابرًا للقرون، فإذا بهم يحبسونه في كادرٍ سينمائيٍّ يفوحُ برائحةِ “أبستين”؛ تلك الرائحة التي لا تُطهرها أضواءُ الشهرةِ ولا ستائرُ المسارحِ الفاخرة.
في هذا المشهد السريالي، يتجلى الصراع الأزلي بين “الإستيتيقا” “الجمال” و “الأخلاق” . لقد حاول “لانغ” أن يجعل من سيرته قصيدةً سينمائية، لكنه اختار لمدادها حبراً مستقىً من بئر “أبستين” الآسنة. وهنا تبرز المفارقة الفلسفية: هل يمكن للمال الدنس أن يصنع مجداً طاهراً؟ وهل يستطيع الفن أن يغسل خطايا الممول، أم أن الخطيئة تلتهم الفن وتُحيله إلى جثةٍ محنطة بالزيف؟
إن إصرار “لانغ” على أن الفيلم “سيخرج قريباً” ليس إلا نوعاً من “الإنكار الوجودي”؛ محاولة يائسة لاستعادة زمنٍ ولى، حيث كانت السلطة الثقافية تظن أنها فوق الشبهات. هو يبحث عن “خلود” سينمائي، بينما يرى العالم في تمويل “أبستين” وصمة عارٍ تجعل من هذا الخلود مجرد “لعنة” تطارد صاحبها في ردهات معهدٍ كان يُفترض أن يكون منارةً للعقل، فصار مرآةً للانكسار الأخلاقي.
لقد تحول “معهد العالم العربي” من فضاءٍ للحوار الحضاري إلى “غرفة مرايا” تعكس شهوات القوة. إن استضافة “أبستين” والتمسح بأمواله تحت غطاء الثقافة هو تجسيد لـ “موت المعنى”؛ حيث تصبح الرموز الثقافية مجرد أدوات في يد “الأوليغارشية” لتلميع صورها.
الفيلم الذي استغرق سبع سنوات ولم يكتمل، هو الاستعارة المثالية لـ “الحقيقة المحتبسة”؛ إنه “أفاتار” الفضيحة الذي يسكن في الظلام، يخاف الضوء لأنه يعلم أن العرض الأول لن يكون احتفالاً بـ “عبور القرن”، بل سيكون محاكمةً علنية لذاكرةٍ تلوثت بلمسات “الوحش” الذي كان يوماً ما “صديقاً” مقرباً. هذا الفيلم المزعوم يروي تراجيديا السقوط من برج الثقافة العاجي إلى درك المساومات الرخيصة، حيث تفقد الكلمات بريقها أمام سطوة الذهب الملوث.
بين جدران معهد العالم العربي، تنسج من خيوط السياسة والمال ستارةً تراجيدية، وتستنطق الصمت والظلال بأسلوب يمزج بين البلاغة الروحية والعمق الروائي.
في دهاليز الذاكرة الفرنسية، حيث يتقاطع بريقُ السلطة مع عتمةِ الأسرار، كسر “جاك لانغ” صمته الطويل، ليُلقي بكلماتٍ بدت وكأنها محاولةٌ لترميمِ مرآةٍ تهشمت تحت أقدامِ الفضيحة. لقد اعترف أخيراً بتلك “العطية” التي قدمها الملياردير المنبوذ “جيفري أبستين”؛ عطيةٌ لم تكن مجرد أرقامٍ في سجلاتِ الضرائب، بل كانت قيداً من ذهبٍ يربط بين وزيرِ الثقافةِ الأسطوري وبين رجلٍ غرق في مستنقعِ الإثم.
في عام 2018، وقبل أن تُطبقَ زنزانةُ العدالةِ على “أبستين” وقبل أن يختارَ الموتَ هرباً من مواجهةِ ضحاياه، أرسلَ أكثر من 57 ألف دولار إلى جمعيةٍ فرنسيةٍ غامضة، جمعيةٌ لم تكن سوى “واجهةٍ من الورق”، أسسها المقربون من “لانغ” لتكون وعاءً يصبُّ فيه “أبستين” أمواله.
يقول “لانغ” بنبرةٍ يملؤها الحذر، وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل الآخرين:
“لقد كانت تلك الأموال من أجل تمويل فيلمٍ سينمائي.. هذا كل ما في الأمر”.
ولكن أيُّ فيلمٍ هذا الذي يُصنع من “مالِ الخطيئة”؟ وأيُّ فنٍ هذا الذي يرتضي أن يتغذى على فتاتِ ثروةٍ بُنيت من أناتِ الضحايا؟ إنها محاولةٌ بائسة لصبغِ “الرذيلة” بصبغةِ “الإبداع”، وكأنَّ العدسةَ تستطيع أن تغسلَ عارَ المُموّل.
تظهر في المشهد “سيلفي أوبري”، بائعةُ الأزهارِ وصديقةُ الوزيرِ الوفية، التي اعترفت بذهولٍ أنها لا تذكرُ أيَّ نشاطٍ حقيقي لتلك الجمعية. هنا تتجلى الفلسفةُ المُرّة: كيف يمكن لجمعيةٍ أُسست “لتعزيز الروابط الثقافية” أن تكون مجرد “صندوقٍ فارغ” ينتظرُ أموالَ رجلٍ كان يبيعُ البراءة في سوقِ النخاسة؟
إنها “الرومانسيةُ القبيحة” للسلطة؛ حيث تُستخدم الأسماءُ الرنانة لتغطيةِ المساراتِ الملتوية. لقد أرادوا للجمعية أن “تدعم الإنتاج الإبداعي”، فإذا بها تتحول إلى “قبرٍ مالي” يضمُّ تبرعاً وحيداً فريداً قادماً من مؤسسة “Gratitude America” (امتنان أمريكا)؛ يا لسخريةِ القدر! أيُّ امتنانٍ هذا الذي يقدمه “أبستين” لوزيرٍ صاغَ سياسةَ فرنسا الثقافية؟
بينما يصرُّ “لانغ” على أن الفيلم “قيدُ اللمساتِ الأخيرة”، يبدو الواقعُ وكأنه مشهدٌ من مسرحيةٍ لـ “بيكيت”؛ انتظارٌ لشيءٍ لن يأتيَ، أو لعلّه من الأفضل ألا يأتي. فكلُّ كادرٍ في هذا الفيلم المفترض سيحملُ في طياته “شبحَ أبستين”، وكلُّ لقطةٍ ستكونُ مثقلةً بذنبِ الصمت.
لقد سقط القناعُ عن الوجهِ الثقافي الجميل، ليظهرَ خلفه زواجٌ قسري بين “الجمالِ الوزاري” و”القبحِ المليارديري”. إنها تراجيديا الإنسان حين يبيعُ “تاريخه” من أجل “تمويلٍ” عابر، ظناً منه أنَّ الذاكرةَ يمكن تزييفها بفيلم ينضح بالمرارة الفلسفية والجموح البلاغي، تجسد هذا السقوط المريع في بئر الرذيلة المغطاة برداء الثقافة: أهو عشاءُ “جوليان غراك” الأخير القائل: حين تلتهمُ المعدةُ طهارةَ الروح بأيِّ حبرٍ يكتبُ التاريخُ فصوله حين تُباعُ الذاكرةُ بـ “57 ألف صرخةٍ مخنوقة”؟ صرخاتٌ لم تطلقها الحناجر، بل أطلقتها الأجسادُ الغضة لفتياتٍ قاصرات، جلبتهنَّ سفنُ الغواية ويخوتُ الفاحشة كقربانٍ فوق مذبح “جزيرة أبستين” الملعونة. هناك، حيثُ يتوقفُ الزمنُ عن كونهِ حكماً، ليصبحَ شاهداً على ذبحِ البراءة تحت أقدامِ آلهةِ المالِ الجدد.
يا للهول! أيُعقلُ أنَّ الوزيرَ “الشهم”، حارسَ هيكلِ الثقافةِ الفرنسيةِ وراعيَ ضادِ العالمِ العربي، ـــ كتابه: اللغة العربية كنز فرنسا ـــ قد سقطَ في فخِ “الثقافةِ الأبستونية”؟ إنها ليست مجرد سقطةٍ سياسية، بل هي محاولةٌ لهدمِ عراقةِ الأنوارِ وتشييدِ هيكلٍ للغرائزِ المنفلتةِ مكانها. إذا كان الكاتبُ الكبير جوليان غراك قد صرخ يوماً في وجهِ الابتذالِ الثقافي قائلاً: “الأدبُ في المَعِدة”، فإننا اليومَ أمامَ مشهدٍ أكثرَ قتامةً وقبحاً؛ مشهدٌ تُختصرُ فيه “المعدةُ” في نزواتِ “الفروجِ الصغيرةِ الطاهرة” لفتياتٍ لم يذقنَ من الحياةِ سوى مرارةِ التدنيس.
لم تعد الحكاية مجرد “تبرعٍ” لفيلمٍ عابر، بل هي “علاقةُ دمٍ مالي” تمتد جذورها من قلب باريس إلى جزيرة العار. لقد فتحت الوثائقُ المسكوبةُ كالحمم البركانية أبواب الجحيم، لتكشف أنَّ اسم “لانغ” لم يكن مجرد عابرِ سبيل في حياة “أبستين”، بل كان شريكاً في “نطفةِ الاستثمار” الملوثة؛ حيث تلتقي السلطةُ بالمالِ في مخادع “الملاذات الضريبية”.
في تموز من عام 2016، وبينما كانت أمواج جزر العذراء الأمريكية تبتلع أسرار الضحايا، وُلدت شركة “Prytanee LLC”؛ كيانٌ هجين نُصفه لـ “أبستين” ونصفه الآخر لـ “كارولين لانغ”. يا للسخريةِ المُرّة! الابنةُ التي تتربعُ على عرشِ السينما العالمية، والتي ترفعُ لواء “الدفاع عن المرأة” في المحافل، كانت تتقاسمُ الخبز والملح والذهب مع “وحشِ الجزيرة”.
هذا التناقض الصارخ ليس سوى “شيزوفرينيا أخلاقية”؛ فكيف لليد التي تكتبُ ميثاق حقوق المرأة في الإعلام، أن تُصافح اليد التي قيدت أرواح القاصرات بالأصفاد الذهبية؟ إنه “التحالفُ المقدس” بين سلطة الصورة وقوةِ الغريزة المالية.
لم يقف الأمر عند حدودِ الشركاتِ الوهمية، بل امتدَّ ليُكتب اسم “كارولين” في “الوصيةِ الأخيرة” التي سطرها “أبستين” قبل يومين فقط من رحيله الغامض في زنزانته. إنَّ ظهور الاسم في وصيةِ منتحرٍ (أو مقتول) مثقلٍ بالآثام، هو بمثابة “تعميدٍ باللعنة”. هي ليست وصية بالمالِ فحسب، بل هي “صكُّ اعتراف” بالانتماء إلى تلك الدائرة الضيقة التي تُحركُ خيوط العالم من وراءِ ستارٍ من الحريرِ الملطخِ بالدم.
وتشيرُ أصابعُ الاتهامِ من خلال وثائق “ميديا بارت” إلى أنَّ الأب، حارسُ “معهد العالم العربي”، لم يكن بعيداً عن هذا العناق المريب. إنَّ الربط المباشر بين “جاك لانغ” نفسه وبين “أبستين” يُحول الصرح الثقافي إلى مجرد “ستارِ دخان”؛ حيث تُستخدم لغةُ الضاد وأمجادُ الحضارة كـ “عطورٍ باريسية” للتغطية على رائحة العفن التي تفوح من صفقاتِ “بريتاني”.
إذا كان “جوليان غراك” قد حذر من ابتلاع المادة للروح، فإن ما نراه اليوم هو “امتصاصُ البراءة” لتحويلها إلى أرصدةٍ في الجزر النائية. إنها ثقافة “الأوليغارشية” التي لا تكتفي بافتراس الحاضر، بل تزرع “أبناءها” (شركاتها) في أرحامِ الملاذات الضريبية لتضمن خلودَ المتعةِ الحرام. أهذا هو “الإرثُ الثقافي” الذي نهديه للأجيال؟ هل غدت السينما مجرد “مغسلةٍ للأموال”؟ وهل أصبحت قضايا المرأة مجرد “درعٍ” يحمي المنتهكين؟
إنَّ الحقيقةَ اليومَ تصرخُ من تحت ركام الوثائق: إنَّ “لانغ” وعائلته لم يكونوا مجرد “أصدقاء” لأبستين، بل كانوا “شهودَ ملوكٍ” في حفلةِ تنكرٍ كبرى، حيثُ القناعُ “ثقافة” والوجهُ “افتراس”.
لقد تآمرت رؤوسُ “الأوليغارشية” المالية، وتواطأت ظننا أنها تحمي القِيَم، ليدوسوا بأقدامهم الثقيلة على أزهارٍ لم تتفتح بعد. أيُّ مسخٍ هذا الذي يريدُ “جاك لانغ” استيراده لفرنسا؟ هل استبدلتم “عصر الأنوار” بـ “عصرِ العوراتِ المستباحة”؟ وهل غدت ميزانيةُ الأفلامِ والوثائقياتِ تُعمدُ بدموعِ الطفولةِ المنهوبة؟
إنها “الثقافةُ الشاذة” التي تحاولُ التسللَ عبر بواباتِ الفن، لتجعلَ من “الرذيلة” نمطاً ومن “الانتهاك” نموذجاً. إنَّ الدنسَ الذي طال تلك الأرواحَ الطاهرة لم يكن دنسَ أفرادٍ فحسب، بل هو دنسٌ أصاب “روحَ الحضارة” في مقتل. فهل يرضى “لانغ” أن يكون الفيلمُ الذي يُخلدهُ هو في الحقيقةِ مرثيةً لثقافةٍ فرنسيةٍ عريقةٍ تفتتها وحوشُ المالِ والشهوة؟
لقد صار “السيناريو” واضحاً كالشمس: الممولُ ذئبٌ، والفيلمُ قناع، والضحيةُ هي الحقيقةُ التي أُلقيت في بحرِ النسيان.. فهل تستفيقُ فرنسا قبل أن تغرقَ “أناقتها” في وحلِ الغرائزِ السفلية؟
بينما كان “جاك لانغ” يتهيأ لتدوين أسطورته في فيلمٍ يحمل عنوان “عبور القرن”، كانت أقدارُ الحقيقة تنسجُ كفناً لهذا الحلم السينمائي. لقد أُسدل الستارُ قبل أن يبدأ العرض، وتحول العمل الذي أريد به “تمجيد الأيقونة” إلى “وثيقة إدانة” صامتة؛ بعد أن تبيّن أنَّ وقودَ هذه الرحلة الفنية كان “57 ألف يورو” قادمة من خزائن “جيفري أبستين”؛ الرجل الذي لم يكن يموّل الأفلام، بل كان يشتري بها “صكوك الغفران” لجرائمه البشعة.
كان من المفترض أن يصور الفيلم سنوات الشباب، ولقاءه بزوجته، وبراءة ابنته؛ لكنَّ سخرية القدر جعلت “براءة البدايات” تُموَّل بـ “دنس النهايات”. إنَّ مبلغ الـ 57,897 يورو، الذي ضخه “أبستين” في جمعيةٍ خُصصت لتثمين إرث “لانغ” السياسي، لم يكن مجرد تبرع، بل كان “قنبلة موقوتة” انفجرت في وجه “البطريرك الثقافي”.
يا لها من استعارةٍ مؤلمة! أن يحاول “حامي حمى الثقافة” تخليد اسمه بمالِ رجلٍ كان “يُتاجر بالبشر”؛ وكأنَّ “جاك لانغ” أراد أن يعبر القرن فوق جسرٍ بُني من صرخات الضحايا المطمورة خلف بريق الذهب.
في صيف عام 2019، بينما كانت “الهرم الزجاجي” لمتحف اللوفر يحتفل بذكراه الثلاثين، كان “لانغ” يتقاسم الأضواء مع “أبستين”؛ لقاءاتٌ أنكرها الوزير مراراً، لكنَّ “رسائل البريد” و”الصور المسربة” كانت كـ “أشباحٍ” لا تنام. لقد كان صيفاً مضطرباً لرئيس معهد العالم العربي؛ صيفٌ اكتشف فيه أنَّ “الأيقونة” التي بناها عبر عقود، يمكن أن تتفتت بلمسةٍ واحدة من يدِ مفترسٍ انتحر في زنزانته، تاركاً خلفه قائمةً بأسماء الذين “استظلوا” بظله.
إنَّ قرار إلغاء الفيلم هو اعترافٌ ضمني بأنَّ “الخطيئة الأصلية” للتمويل قد أفسدت “النص”. فلا يمكن لـ “عبور القرن” أن يكون ملهماً إذا كانت الخطوات الأولى للرحلة قد عُمدت بمالٍ مغسول بالدموع. لقد سقط “وهم التخليد”؛ لأنَّ التاريخ لا يُكتب بعدساتِ المصورين المأجورين، بل يُكتب بـ “نقاء الضمير”.
لقد أثبت سقوط فيلم “عبور القرن” أنَّ “المعدة” إذا التهمت “الحقيقة”، فإنها تتقيأها “فضيحة”. إنَّ “جاك لانغ”، الذي أراد أن يرى وجهه في مرآة السينما، وجد نفسه يرى وجه “أبستين” يطلُّ من خلف كتفه.
إنها تراجيديا “الإنسان الذي أراد أن يكون أسطورة”، فصار “درساً” في كيفية سقوط الأيقونات عندما تتحالف مع “المال المظلم”. لقد انتهى “العبور” عند بوابة الحقيقة المرّة: “لا خلود لفنٍ يرتضعُ من ثديِ الرذيلة، ولا مجدَ لاسمٍ يحاول الطيران بأجنحةٍ مستعارة من خزانةِ شيطان”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى