الأفارقة جنوب الصحراء في تونس: من “أرض العبور” الى “فخ الاستقرار”.. قراءة في الجرح المفتوح

الأفارقة جنوب الصحراء في تونس: من “أرض العبور” إلى “فخ الاستقرار”.. قراءة في الجرح المفتوح

أ. رجاء السنوسي
لم تكن تونس يوماً مجرد نقطة على الخارطة بالنسبة للمهاجر القادم من دول أفريقيا جنوب الصحراء، بل كانت دائماً ‘عتبة الحلم’ وبوابة العبور نحو الضفة الشمالية للمتوسط. لكن اليوم، ومع انسداد أفق البحر وتشديد الحراسة الأوروبية، انحرفت البوصلة فجأة، لتجد تونس نفسها أمام واقع سوسيولوجي وأمني لم تستعد له آلاف العالقين الذين تحول وجودهم من ‘ترانزيت’ عابر إلى ‘استقرار أمر واقع
صفاقس: من ممر للعبور إلى ساحة للاستقرار القسري
ليست ولاية صفاقس، وتحديداً منطقتا ‘العامرة’ و’جبنيانة’، مجرد مسرح عابر للأحداث، بل هي اليوم مركز الزلزال. هناك، في غابات الزيتون التي طالما كانت رمزاً للرزق والسكينة، نبتت خيام عشوائية وتجمعات بشرية هائلة غيرت ملامح الجهة تماماً.

لم يفرز هذا الاكتظاظ انزعاجاً من الضجيج فحسب، بل ولد شعوراً متزايداً بفقدان الأمان؛ نتيجة تصاعد معدلات الجريمة والصدامات الدامية التي تحدث أحياناً بين المهاجرين أنفسهم. المواطن الصفاقسي، المعروف بهدوئه وجد نفسه في مواجهة يومية مع واقع مرير، حيث وصل الأمر إلى التغول على الممتلكات والسيطرة القسرية على بعض الفضاءات، مما أربك حياة المتساكنين. لقد خيّم الخوف على اليوميات، لدرجة تعطل سير الحياة الدراسية، حيث بات الأولياء يخشون على أبنائهم من اعتراض طريقهم أو سلب ما يملكون، وسط غياب رؤية واضحة لحل جذري ينهي هذه الأزمة.

هواجس الاستيطان.. مخطط أم واقع مفروض؟
بعيداً عن اتهامات “العنصرية” المعلبة التي تُلقى جزافا يسكن الشارع التونسي اليوم سؤال حارق هل ما يحدث هو مجرد هروب من واقع الحروب والفقر في إفريقيا، أم أنه “مخطط استيطان” مجهول المعالم؟ افكار مشوشة سكنت عقل التونسي .
ما يغذي هذا “الشبح” في عقول التونسيين هو النسق التصاعدي للولادات داخل هذه التجمعات، وغياب الوثائق الرسمية، والتمويلات الغامضة التي تؤمن رحلات العبور عبر الصحراء. بالنسبة للكثيرين، هذا ليس مجرد لجوء إنساني، بل هو خطر يهدد التركيبة الديموغرافية لبلد صغير يعتز بهويته، ويخشى أن يتحول بمرور الزمن إلى “وطن بديل” بضغط من القوى الدولية التي تريد تحويل تونس إلى “محتشد كبير” لحماية حدود أوروبا.
الاقتصاد المنهك… هل تحتمل “القفة” التونسية مزيداً من الشركاء؟

إذا ازحنا العواطف جانباً وتحدثنا بلغة الأرقام، تبرز الحقيقة المرة تونس بوضعيتها الهشة لا تملك “رفاهية” الاستيعاب. كيف لبلد يكافح لتأمين الرغيف، والزيت، والدواء لمواطنيه، ويئن تحت وطأة بطالة خانقة وغلاء معيشة غير مسبوق، أن يتحمل عبء آلاف المهاجرين؟!
إن دخول هؤلاء المهاجرين على خط “منظومة الدعم” واستنزاف البنية التحتية المتهالكة أصلاً (من صحة ونقل ونظافة)، هو بمثابة انتحار اقتصادي بحت، فتح المجال للاستقرار يعني حتماً انهيار الخدمات الأساسية للتونسيين، وتحويل سوق الشغل إلى ساحة لاستغلال اليد العاملة الرخيصة، مما يعمق جراح الطبقة الشغيلة المحلية.
القنبلة الموقوتة: ديموغرافية “أمر الواقع” والأمن الصحي
بعيداً عن الأرقام الرسمية الجافة، يواجه الشارع التونسي اليوم حقائق ميدانية مرعبة تعمق حالة “الخوف الوجودي”. ففي أروقة مستشفى الهادي شاكربصفاقس، لم يعد الضغط ناتجاً عن نقص الإمكانيات فحسب، بل عن نسق تصاعدي مهول لولادات المهاجرين غير النظاميين، حيث تشير التقارير إلى تسجيل أكثر من 470 ولادة جديدة في فترة زمنية قصيرة، وما يفوق 6 آلاف ولادة جديدة لأبناء مهاجرين افارقة غير نظاميين. هذا التكاثر الديموغرافي الممنهج داخل التجمعات العشوائية بات يطرح تساؤلات حارقة حول مستقبل الهوية الديموغرافية للجهة، في ظل غياب أي رقابة قانونية أو صحية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الولادات، بل امتد ليشمل الأمن الصحي للتونسيين. فالتجمعات العشوائية في غابات الزيتون تحولت إلى بؤر محتملة للأمراض الوافدة والخطيرة التي بدأت تجد طريقها للمدن، وعلى رأسها مرض السيدا والديفتيريا الذي أُثيرت حوله مخاوف جدية في التقارير الميدانية. كما تتزايد التحذيرات الطبية من عودة أمراض تنفسية وجلدية معدية مثل السل والجرب، نتيجة انعدام ظروف النظافة والتهجير غير المراقب صحياً، مما يجعل المنظومة الصحية التونسية المنهكة أصلاً أمام خطر الانهيار التام.
لغة التهديد وظاهرة “استجداء” الشوارع
وفيما يتجاوز البعد الصحي، برزت خلال السنوات الثلاث الأخيرة ظاهرة استثنائية لم يعهدها التونسيون، وهي لغة التحدي والوعيد التي بدأت تظهر في فيديوهات يوثقها المهاجرون بأنفسهم على منصات التواصل الاجتماعي. هذه الخطابات، التي تحمل أحياناً نبرة “تهديد عنصري” معاكس وتوعداً بالسيطرة، ولدت شعوراً بالاستهداف الممنهج للدولة والمجتمع التونسي.
هذا التوتر الميداني قابله مشهد آخر في الشوارع الكبرى والعاصمة ومختلف ولايات الجمهورية وهو تغول ظاهرة التسول. لم يعد التسول مجرد طلب للمساعدة، بل تحول إلى أسلوب إلحاحي غريب يستخدم فيه المهاجرون الأطفال كدروع لاستدرار العطف، وغزت هذه الظاهرة مفترقات الطرقات والأماكن العامة بأشكال مختلفة ومدروسة، مما زاد من حالة الاحتقان الشعبي تجاه تواجدٍ بدأ يفقد صبغه “الإنسانية” ليأخذ طابع السيطرة والضغط على الفضاء العام.
بين الموقف الرسمي وصوت الشعب
جاء خطاب الرئيس قيس سعيد ليضع النقاط على الحروف، معتبراً الأمن القومي خطاً أحمر ورافضاً لمنطق “التوطين”. هذا الموقف وجد صدى واسعاً لدى نواب الشعب الذين يطالبون اليوم بتشريعات أكثر صرامة مثل تعديل قانون “إقامة الأجانب” الصادر عام 1968 ليصبح أكثر صرامة، وهناك نواب طالبوا علناً بترحيل المهاجرين غير النظاميين، معتبرين أن الوضع في صفاقس وغيرها أصبح يهدد السلم الأهلية.
التونسيون اليوم، ورغم انقسامهم بين “تعاطف إنساني” فطري وبين “خوف وجودي” مشروع، مجمعون على أن تونس لا يمكن أن تكون ضحية لمقايضة دولية: المال مقابل حراسة الحدود وتوطين المهاجرين.
السيادة فوق “الابتزاز”
إن مشكلة الأفارقة في تونس ليست قضية لون أو عرق، بل هي قضية سيادة وطنية وقدرة استيعاب اقتصادية. الحل لا يمكن أن يكون أمنياً صرفاً، كما لا يمكن أن يكون إنسانياً على حساب لقمة عيش التونسي وأمنه. تونس اليوم مطالبة باستعادة زمام المبادرة، والتأكيد للعالم أن “أرض الخضراء” ترحب بضيوفها قانونياً، لكنها ترفض أن تكون الحل السهل لمشاكل القارة السمراء وأطماع القارة العجوز.





