مقالات كل العرب

سياحة في رواية “فاتنة البحر الميت”.

سياحة في رواية “فاتنة البحر الميت”.

أ. يحيى إبراهيم النيل

دشن الدكتور ضياء الدين جميل، في أكتوبر الماضي في العاصمة الفرنسية، روايته الرابعة (فاتنة البحر الميت)، الصادرة عن دار (كل العرب) بباريس، بعد (قدر أعمى) و (عاشقة الصمغ) و (غبار الذكريات). في مقالٍ لي عن الروايتين الأوليين أوردت بضع ملاحظات، منها أن الكاتب قد “(ذاكَر لوحَهُ) جيداً قبل الشروع في الكتابة، حيث “قدم وصفاً دقيقا ومفصلاً لكثير الأشخاص والأماكن والعادات، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه يرى هؤلاء الأشخاص ماثلين أمامه وكأنه يعيش بين تلك الأماكن ويجلس بين أبطال الراويتين”. وهذا ينطبق أيضاً على روايته الرابعة التي نحن بصدد قراءتها هنا. سنورد كثيراً من الشواهد والاقتباسات ليزداد قارئ هذه القطعة علماً، كما ازداد كاتبها.
تدور الرواية بين مضارب البدو في سهل حوران ومرتفعات عجلون وبعض المدن الأردنية والسورية (إربد، درعا، داريا) ومدينة بروكسل في بلجيكا. حدثنا الكاتب عن أنواع الأشجار في سهل حوران مثل “البلوط دائم الخضرة، والعرعر المعمر القوي، والبابونج، ونبات البلان الشوكي، وشجرة الملول، والزعتر، والبقيعاوية، والبطم الفلسطيني والقينوسي”
كما قدم وصفاً لديوان شيخ القبيلة: ” خيمة واسعة وعلى السجاد مساند […] وعلى جانبها عُلق سيف القصاص وبندقية العدل. يدير الشيخ صندوق القبيلة المالي. ثوبه ناصع البياض يصنع من القطن. على رأسه طاقية بيضاء، ويضع الشماغ أو الغترة، ثم يزينه بالعقال، وفي أحيان نادرة يلبس البشت والقلة، ويلبس حزاماً لونه بني عليه مسدس صغير”. وعرفنا منه أن رجال القبيل يرتدون القنباز، وهو رداء طويل مشقوق من الأمام وعليه السروال والعباية والكوفية. وأن وجهاء القبيلة يسمون “الجاهة”، ونساءها “الفاردة”، وطقوس العقيقة “الترويدة”، وأن اللبن الحامض والزبدة يصنعان عن طريق الخض بـ”الشكوة”. وأنهم يطبخون “المنسف” و”المكمورة”، و”المقلوبة” و”المسخن المفتول” و”المطابقة” و”الجميد”، و”خبز الشراك”، و”مرس الجميد” و”شاي كرك” و”حلوى بلح الشام” و”أصابع زينب”
أورد معلومات ثرة عن البحر الميت، مستوى ارتفاعه، نسبة ملوحة مياهه، أثرها في الحفاظ على صحة وترطيب البشرة والشعر، وعلاقته بقرى قوم لوط ووجود تمثال (والعة) زوجة النبي لوط المتحجرة. وعن جبال داريا “حيث عسكر بها خالد بن الوليد لفتح دمشق” وعن مسجد مسلم الخولاني الدارني، عبد الله بن ثوب، في داريا وقصة هذا التابعي، وموقع ضريح بلال بن رباح القريب منها، ووصف المقبرة التي “شيدت بالمداميك الحجرية، وتعلو الضريح قبة كروية ملساء بها نوافذ مقوسة”. وكذلك ضريح السيدة سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ومعالم مدينة بروكسل. ولم ينس أن يحدثنا عن مراحل ولادة الناقة وعملية التلقيح الصناعي عن طريق الأنابيب!
عشنا معه بين البدو وعرفنا أشياء مشتركة بيننا وبينهم مثل أن البنت تزوج لابن عمها الذي يسمى “جايرها”، [وهي تعادل تغطية القدح في السودان]، وأن “ابن العم يأخذ بنت عمه من البرزة” (بساط ليلة الزفاف) بدلاً عن أخذها من ظهر الفرس. وأنهم يكتبون على مداخل دورهم “يا داخل الدار صلي على المختار”، كما نفعل في السودان. وأن الآلة الموسيقية ذات الوتر الواحد التي تصنع من خشب أشجار الطلح وجلد الماعز تسمى رُبابة (بالضم، لا بالفتح كما ننطقها في السودان). وأنهم يحكون أن عمل الخنفساء في تدوير الروث في شكل حبات كروية، استجابة لطلب القمر، الذي هامت به حباً، كشرط للزواج منها، كما نحكي في السودان.


كما غنينا معهم بعض أغاني أعراسهم: “حني يا حنونة والليلة ليلة حنة”، و”طلع الزين من الحمام”، و”تلولحي يا دالية، يا ام الغصون العالية… تلولحي عرضين وطول تلولحي مقدار أطول”. ومع هيام يونس “سافر يا حبيبي وارجع لا تطول الغيبة… الدار بعدك أظلم والله اعطاك الهيبة”، و ” تعلق قلبي طفلة عربية”.
قرأنا مع كاتبنا بعض عباراتهم مثل “عسى ما شر؟” [إن شاء الله مافي عوجة]، و “من برد شباط تتلفع العجائز في البساط”، و” شباط ما عليه رباط”، و “إن غيّم سماها، أبشر بماها”. وبعض أمثالهم: “ما يحن ع العود إلا قشره”، “اللي يدق الباب يلاقي الجواب”، “مش كل حمرا لحمة”.
أحيانا يقوم الكاتب بإيراد المثل ويشرحه: “مش شايف من السما قد خرم ابرة” (يضرب للمتكبر شديد الغضب)، “مشاطرك ع مرة ابوك” (يضرب لمن لا يتجرأ إلا على الضعفاء)، “أبطي ولا تنطي” (للحث على التأني) “من مثلك يا ابن عمي: تروح والطبق فاضي، وترجع والطبق مملي” (للشخص المحظوظ)، “مثل صابون الميت، امنين ما قبضتها اتمزط” (للشخص الميؤوس منه)، “من سلمك مذبحه لا تذبحه” (للحث على العفو والتسامح)، “غز الرمح بهنخاله وهو مايل” (لمن يحاول اصلاح ما لا يمكن اصلاحه).
وهذا، في رأيي، يضعف العمل الروائي حين يتقمص الكاتب دور المعلم الذي يشرح دروسه لتلاميذه. وهو مما نجده بكثرة في روايته الثالثة (غبار الذكريات) مسبوقاً بـ”وهو” أو “وهي”، مثل “أنجبت توأمين: (سيف)، وهو اسم علم مذكر من أصل عربي، ومعناه السلاح الأبيض الطويل”، “من أهم أواني تناول الطعام في مجموعة (القَدَح)، يُحفر من الخشب، إناء متوسط لأكل (العَصِيدَة)، (الكُنُشْ)، وهي مفركة لتحضير (المُلاَح)، وهو (الطبيخ)”، في محطة القطار “صبيان وشابات وعلي الرؤوس أطباق من السّعف وصواني مليئة بالفول السوداني و(التسالي)، وهو حَب البطيخ”، “تجلس العروس لمدة ساعتين في كل جلسة حتي يتصبب منها العرق بكميات كبيرة وهذه عادة (حُفرة الدخان)، وهو عبارة عن حمام بخار بلدي”، و”خلال حفل حنة العريس يتبرع الجميع كل حسب استطاعته في (الكشف)، وهو دفتر تُسجل فيه أسماء المشاركين”، “تلبس (الرَحَط)، وهو مجموعة من خيوط الحرير الحمراء توضع في شكل حزام يُربط علي الخصر”…
مما أوردنا من ملاحظات أن لغة الروايتين، خاصة (قدر أعمى)، شاعرية وتضج بالتعبيرات الساحرة الجميلة والتشبيهات الطريفة. وكذلك رواية (فاتنة البحر الميت)، مثل “زمن متسارع مخمور”، اختلف الأخوان نمر ووضاح حول قطعة أرض “لا تصلح إلا مقبرة لأهل الشر”، و “يرقد وضاح وحوله كومة من الادوية. خرج ملك الموت برهة يبحث عن دفاتر جديدة لاستخراج شهادات الوفاة”، “الاحتلال يحرق الأخضر واليابس ويغسل الأرض بدم الانسان الحر”، و “ما زال أئمة المساجد يتوضؤون بما تبقى من دموع نساء فلسطين الثكلى لإقامة صلاة الميت والغائب جهراً” و”ينمو الفقر [داخل مخيمات الفلسطينيين] كالطحالب وسط المياه الراكضة”.
كاتبنا يضع كل أبطال رواياته أمام قدر لا فكاك منه: “أنجبت صيتة بنتاً، وجهها نور من القمر البعيد، ملاكاً يغتسل بسكون الليل، يبسم لـ(قدر محتوم لا يقبل الاختيار)، “يستطيع الانسان أن يقرأ صفحات من (قدره المختل، لكنه لا يستطيع أن يغير حروفه السوداء)”، “يتخبط الانسان في أزقتها الضيقة. يتوه قبل أن يقع في حفرة (قدره المحتوم)، “دخلت صفا في حالة بكاء وأحزان قادمة، وكأنها تقرأ أول صفحة في “قدرها الأعمى”. نذكِّر بأن الكاتب اختار (قدر اعمى) عنواناً لروايته الأولى، كما أورد هذه العبارة، نصاً أو معنىً، أكثر من مرة في الرواية الثانية وفي الرواية الرابعة، كما رأينا أعلاه.
لاحظنا (نَفَساً صوفياً) في الروايتين الأولى والثانية. ونجد هنا (شحنات دينية) في كل زوايا الرواية، حيث وردت عبارة “الزيتونة وهي شجرة مباركة” (مرتين)، وكلمات مثل (سجادة)، (مسبحة)، (كتاب مقدس) أكثر من مرة. وذكر أن البدو “يعشقون كثرة النسل (للتباهي بين القبائل) [حديث معقل بن يسار: “تزوَّجوا الوَدودَ الولودَ”]. “سمى الشيخ نمر بنته ملاكاً، اسم علم مؤنث يرمز إلى (الملائكة التي خلقت من نور)” [حديث السيدة عائشة: “خُلِقَتِ الملائكةُ من نُّورٍ]”. جاء في وصف ملاك “عيونها واسعة كغزال شارد وسعرها طويل (تذره الرياح) [الكهف – 45]. “ينتظر عياد قدوم ابنة عمه إلى الغدير لجلب الماء متخفيا بين بين الشجيرات في هيئة راعٍ غريب الديار يريد اصطيادها، حتى وإن كانت تقف (عند باب المسجد الحرام)” [حديث ابن عباس “ولا يُنَفَّرُ صَيْدُه”]، يقترح عياد على ملاك أن يهربا كي “ينجبا أطفال السعادة، (ولداناً مخلدين)” [الانسان – 19]. “صبراً آل فلسطين فإن (موعدكم الجنة) [صبراً آل ياسر]”. الشيخ نمر “(يتوكأ على عصاة من عود الطلح المتآكل)” [“أتوكأ عليها”: طه – 18؛ “تأكل منسأته”: سبأ – 14]. يتصارعون على حبات من القمح (تركها النمل خوفاً من جنود سليمان)” [النمل – 18]. تقول ملاك لزوجها: “(أرض الله واسعة والله يرزق من يشاء بغير حساب)” [النساء – 97؛ النور – 38]. “طلب تيسير من عمه عياد ان يساعده في استخراج تأشيرة سفر الى أوروبا معتقدا انه طرق باب الجنة الأبدي (حيث لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)” [حديث أبي هريرة: “قال الله: أعددت لعبادي الصالحين…”]. “رجع تيسير من غربته في بلجيكا كأنه (أوى إلى الجبل قبل الطوفان)” [هود – 43].
في روايات دكتور ضياء الأربع هجوم على الرجل وانحياز للمرأة، مثل موقف سمير من زوجة أبيه واخوته وتنكر بطلي (قدر أعمى) و(عاشقة الصمغ) لوفاء الزوجة والسعي للزواج من أخرى، بل خيانتها. وزواج يونس أفندي من تمر النخيل، الأمَة، على زوجته صابرة في (غبار الذكريات). وهي زيجة جعلت بعض المدعوين لحضور عقد القران “يرفض الدعوة ويعتذر لأسباب واهية”، بينما فضل آخرون “أن يُصلّوا في بيوتهم ظهراً بدل صلاة الجمعة، واتفق الباقون على صلاة الجمعة سوياً، والخروج سريعاً من المسجد وعدم حضور مراسم عقد القران، حتى لا يكونوا شهوداً وحضوراً لمأساة قادمة”. بعد وفاة تمر النخيل، وعندما رفضت صابرة العودة إلى يونس أفندي، الذي هجرها دهراً “أصابت يونس أفندي صدمة عنيفة، وأصبح كالذي يتخبطه الشّيطان من المسِّ، مصروع وليس به صرع، أقسم أمام والده بأنه لن يطلقها، وأن تظل معلقة مدي الحياة. أخذته العزة بالإثم، ونسي قول الله عزّ وجلّ:(إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)”
في (فاتنة البحر الميت) يهجم تيسير على زوجته ليلة الدخلة ويغتصبها. يسيء معاملتها ويضربها. يسقط جنينهما. يسرق أموالها ليصرفها على عشيقته، ثم يتزوج هذه العشيقة. ويجبرها على التنازل عن منزلها الذي اشترته بِحُرّ مالها مقابل أن يترك لها رعاية أطفالهما. لذلك لما “أكملت صفا مناسك الحج. رمت الجمرات، كأنها إبراهيم الخليل حينما عرض له الشيطان فرماه بسبع، ولكن صفا رمته بثمان لأن زوجها تيسير شيطان، تمثل لها بشراً سوياً”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى