الوعد: كلمة تحيي او امل يهدم

الوعد: كلمة تحيي او امل يهدم

د. محمد بن أحمد المرواني
الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، لا يعيش منفردًا، ولا يمكنه أن يكون خارج إطار المجتمع، صغيرًا كان هذا المجتمع أو كبيرًا. فالحياة الإنسانية تقوم أساسًا على التفاعل، وعلى وجود الآخر، وعلى شبكة من العلاقات التي تتكوّن وتتشابك عبر الزمن.
هذه المجتمعات لا تتشكّل من أفراد فقط، بل من علاقات متداخلة، ومتفاوتة في عمقها وقيمتها. علاقات يومية، ومهنية، وإنسانية، و اسرية تجمعنا بأشخاص نختار بعضهم، ونُفرض على التعامل مع بعضهم الآخر. ومن خلال هذه التعاملات تنشأ ارتباطات، وتُبنى التزامات، وتُقطع وعود.
بعض هذه الالتزامات يُوثّق بعقود رسمية، وبعضها يُكتب في اتفاقيات واضحة، لكن جزءًا كبيرًا منها، وربما الأهم، يقوم على كلمة واحدة فقط. كلمة تُقال بين شخصين، أو بين مجموعة أشخاص، فتتحوّل إلى عهد، وإلى التزام أخلاقي، وإلى وعد يُبنى عليه الكثير.
هذا النوع من الالتزام لا يحدث إلا حين تتوافر الثقة. وكلما قوت العلاقة بين الناس، وتعزّز الاطمئنان المتبادل، ازدادت قيمة الكلمة، وارتفع شأن العهد، وأصبح الوعد في نظر الطرفين أعظم من أي عقد مكتوب.
نحن لا نتعامل بالكلمة مع الغرباء عادة، بل مع المقرّبين. مع من نثق بهم، ومع من نظن فيهم الخير، ومع من نعتقد أنهم سيكونون معنا عند الحاجة، سندًا إن ضاقت الدنيا، وملجأً إن اشتدّ الزمن، وطمأنينةً في لحظات القلق، و كم من كلمة احيت انسان و قوته و دعمته في شدة ، و كم من عهد نصر مظلوما و اعان ضعيفا عند الحاجة، و كم من عهد حفظ إنسانا من الانهيار و الدمار، هذه الكلمات و هذه الوعود و العهود كثيرة في ارثنا الثقافي و في القصص المتوارثة عن الاباء .
حيث ان هذا السلوك كان طبيعيًا في العلاقات البشرية، وما زال كذلك من حيث المبدأ. لكن مع تطوّر الحياة، وتسارع إيقاعها، وانشغال الناس بالماديات، تراجعت قيمة الكلمة، وضعُف معنى الوعد، وفقد العهد مكانته الحقيقية.
أصبحت الكلمة عند كثيرين سهلة، تُقال بلا حساب، ويُتراجع عنها بلا شعور بالمسؤولية او الذنب. وأصبح الوعد في أحيان كثيرة مدخلًا للخذلان، أو وسيلة للتسويف، أو طريقة للنصب و السرقة و الاحتيال او غطاءً لسلوك أناني، خصوصًا حين تكون المصلحة المادية حاضرة.
والمؤلم في الأمر أن هذا لا يحدث غالبًا مع الغرباء، بل بين المقرّبين. بين أشخاص كنا نعتقد أنهم أقرب إلى أرواحنا، وأن كلمتهم محل ثقة، وأن وعدهم لا يُشكّ فيه.
حين تُكسر الكلمة في هذه الدائرة القريبة، لا يكون الأثر بسيطًا. فالأمر لا يتوقف عند وعد لم يُنفّذ، بل يمتد إلى أثر نفسي عميق. يمتد الى أمل يُهدم، وثقة تتآكل، وإنسان قد يخرج من التجربة وهو يشك في كل كلمة، ويتحفظ في كل علاقة، وربما يفقد إيمانه بالناس وبالمعنى الحقيقي للعلاقات الإنسانية.
قد لا يدرك من يُخلف وعده حجم الأذى الذي يسببه. قد لا يرى إلا مصلحته الآنية، أو مكسبه المؤقت، لكنه في المقابل قد يكون سببًا في جرح طويل الأمد، وفي خسارة إنسان لقدرته على الثقة، وعلى الاطمئنان، وعلى الإيمان بالآخر.
لذلك، فإن المسؤولية هنا مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون اجتماعية. إن لم يكن الإنسان قادرًا على الوفاء بكلمته، فالأجدر به ألا يقولها. وإن لم يكن مستعدًا لتحمّل تبعات وعده، فالصمت أولى من الالتزام.
الوفاء بالكلمة ليس ترفًا أخلاقيًا، ولا قيمة ثانوية، بل هو معيار حقيقي لاحترام الإنسان لذاته قبل احترام الآخرين له. وهو أحد الفوارق الجوهرية بين من يرى العلاقات مسؤولية إنسانية، ومن يتعامل معها كوسيلة عابرة لغاية مادية.
في زمن كثرت فيه الكلمات وقلّت المعاني، يبقى الوعد الصادق علامة على عمق الإنسان، ودليلًا على نضجه، ومقياسًا حقيقيًا لقيمته.
وفي المقابل، على من خابت ثقته أن ينظر إلى الأمر من زاوية أخرى، أكثر وعيًا وأقل قسوة على الذات. فإن كنت أنت من وثق، ثم خُذلت، فاعلم أن انكشاف عدم التزام الطرف الآخر بكلمته، أو عهده، أو وعده، هو في حدّه الأدنى ربحٌ لك لا خسارة. على المدى الطويل، ذلك أن سقوط القناع مبكرًا أهون بكثير من استمرار الاعتماد على شخص لا يمكن الركون إليه عند الحاجة الحقيقية. فالأفضل أن يتبيّن لك الان من لا يصلح سندًا او داعما لك عند الحاجة، من أن تكتشف ذلك في ظرفٍ أشد قسوة وأعظم أثرًا. هنا تصبح المسؤولية مسؤوليتك في إعادة ترتيب الأشخاص في حياتك، واستبعاد من لا يستحق الثقة، لا بدافع الغضب، بل بدافع الفهم. لا تندم، بل تعلّم. لا تحزن، بل تأقلم مع الواقع كما هو، وافرح لأن حقيقةً انكشفت في موقفٍ محدود، لا في أزمة مصيرية. وتذكّر أن كل أزمة لم تكسرَك، وكل خيبة صمدت أمامها، إنما تخرج منها أكثر قوة، وأكثر وعيًا، وأكثر مناعةً ضد خذلان أصحاب الوعود الزائفة.




