فخ “الهلالين”.. مستقبل العراق بين فلسفة العقيدة واستحقاقات الدولة

فــخ “الـهــلاليـــن”
مستقبـل العـــراق بين فلسفة العقيدة وإستحقــاقــات الدولة

أ. د. خــالـد حـمــزة المعينـي
في علم السياسة لا يمكن فهم وضع سياسي أو مآلاته ، إلا من خلال دراسته بأبعاده الثلاثية Dimension Three ( Z ، X، Y ) أو بمعنى آخر بأبعاده : المحلية ، الإقليمية والدولية ، ومن خلال مدخلات ومعطيات موضوعية يمكن التنبؤ بالمخرجات من خلال الذهاب الى المستقبل وفحصه ثم العودة للحاضر والاستعداد لتفادي المعوقات وتعزيز الإيجابيات.
طبيعة النظام الدولي
يمكن وصف طبيعة النظام الدولي الحالي بأنه نظام قطبية ( أحادي مرن ) تقوده الولايات المتحدة الامريكية ، تنافسها علة قمة الهرم الدولي ، الصين ، لكن الفارق الموضوعي في إمتلاك أضلاع مثلث القوة العظمى ( العسكري ، الاقتصادي ، التكنولوجي ) لا يزال حسب معطيات الأرقام يميل لصالح الولايات المتحدة ، على الأقل لحين عام 2050 وهو التاريخ الصيني المخطط نظريا لستراتيجيتها في السعي للتفوق في هذه المعادلة .
الولايات المتحدة الأمريكية
يتحكم بقرارات الولايات المتحدة وخصوصا في السياسة الخارجية ويقرر حروبها : (محور الصناعات النفطية _ العسكرية ) مدعوما بإمبراطورية الإعلام التي تشكل وتتحكم بالرأي العام الأمريكي وتصنع الرؤساء وهذا المحور يتم التحكم فيه من خلال منظمة ( أيباك AIPAC ) وهي لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية ، من جانب آخر فإن سر قوة النظام السياسي في الولايات المتحدة وسر حيويته وديمومة قوته ، يكمن في دستورها المحكم والفعال وإستقرار العلاقة بين سلطاتها الثلاثة ، وكذلك في إقتصادها الحر القائم على ركيزة التنافس محليا ودوليا.
حرب الممرات الدولية
إستوعبت الصين في سعيها للتنافس مع الولايات المتحدة الأمريكية ، دروس آليات الصراع التي سادت الحرب الباردة وأدت إلى إنهيار الإتحاد السوفيتي عام 1991 ، وإستبدلت تلك الآليات (سباق التسلح ، الحروب بالنيابة ، الصراع الآيديولوجي ) إستبدلتها بوسائل القوة الناعمة
( soft power )
وفي مقدمتها العامل الإقتصادي والتجاري الذي يشكل عصب القوة الأمريكي ، وبالتوازي مع إقامتها منضمات إقتصادية دولية كمنظمة شنغهاي وتكتل بريكس والسعي لإصدار عملة جديدة بديلة للدولار وكذلك إنشاء بنك دولي موازي للبنك وصندوق النقد الدولي الذي تهيمن على سياساته الولايات المتحدة الأمريكية ، على التوازي نشبت ما يمكن أن نطلق عليه ( حرب الممرات الدولية ) فمشروع ( طريق الحرير ) الذي تسعى من خلاله الصين إلى التمدد والسيطرة التجارية العالمية ، بالمقابل طرحت الولايات المتحدة الأمريكية مشروع ( الممر الإقتصادي ) لإجهاض المشروع الصيني ، الذي ينطلق من الهند وهي الخصم الستراتيجي للصين بإتجاه الخليج ليمر بالامارات والسعودية فالاردن ولإسرائيل واليونان وأوربا ، ولعل أحد تداعيات هذا المشروع إحكام التطبيع العربي مع إسرائيل من خلال الإقتصاد والتجارة.
إيران في قلب الصراع الإقليمي – الدولي
على المستوى الإقليمي – الدولي ، فإن إيران باتت مستهدفة بشكل متصاعد وجدي من قبل المحور الذي تقوده الولايات المتحدة ، فهي وفق رؤى المخططين الأستراتيجيين الامريكيين حجر العثر على طريق تحجيم الدور الصيني ويعدوها الحافة المتقدمة للمحور الصيني – الروسي المنافس ، لذا يتم عزلها ومحاصرتها إقتصاديا وإذا تطلب الأمر إستخدام القوة الصلبة معها ولكن بعد أن تفعل وسائل الحصار والإضعاف الإقتصادي فعلها في تفكيكي عناصر قوتها ، على وفق النموذج العراقي في عملية تغيير النظام السياسي ( 1991 – 2003 )
حرب غزة وتبدل موازين القوة
شكلت حرب غزة ( طوفان الأقصى ) في 7 أكتوبر 2023 ، نقطة تحول كبرى في مجرى الصراع بالشرق الأوسط ، كانت قد سادت قبل هذه التاريخ معلدلة للقوة مالت كفتها بوضوح لصالح إيران التي نجحت نجاحا باهرا في تحسين شروط نفوذها وتعزيزه بقوة في المنطقة لا سيما بعد إخراج العراق عام 1991 من معادلة توازن القوة حيث كان يشكل حجر التوازن مقابل ( إيران – تركيا ) ، عززت إيران نفوذه بقوة عبر المحور الذي إمتد من ( إيران – العراق – سوريا – لبنان – فلسطين ) ، مما شكل خطرا مركبا وثنائيا ضد أمن الكيان الصهيوني وهو أحد ركائز الأمن القومي الأمريكي في السياسة الخارجية الأمريكية بالشرق الأوسط إضافة إلى ركيزة الطاقة ، ومن جانب آخر شكل نجاح إيران تمددا صينيا روسيا من خلال حافة المحور إيران في عمق وقلب الشرق الأوسط لا سيما مع وجود قواعد روسية – إيرانية على سواحل البحر الابيض المتوسط .
مما تقدم شكل الهجوم على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 بمثابة قدحة الزناد Trigger ignition ولحظة فارقة في تاريخ الصراع بالشرق الأوسط من خلال إنطلاق عمليات عسكرية شاملة عنيفة وقاسية الواضح من خلال نتائجها إنها قد تجاوزت مجرد أهداف تحجيم حركة حماس أو حزب الله ، إلى قلب معادلة القوة بالكامل لصالح إسرائيل وتحول إيران ومحورها من موضع الهجوم إلى موضع الدفاع ، تم ذلك بدعم أميركي – أوربي مطلق ومنقطع النظير وبالضد من محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وبالضد من الرأي العام الشعبي الأمريكي – الأوربي ، حيث جرت بدم بارد عمليات الإبادة الجماعية والتهجير القسري وعمليات الإغتيال والتصفية وقتل الأطفال والنساء والصحفيين وتدمير المستشفيات والمدارس .
الهدف كان واضحا بعد الإطاحة بالنظام السياسي في سوريا حيث يجري تمهيد ساحة الصراع ومنضدة الرمل والإستعداد لإستكمال جولة جديدة من عملية الاستعداد لتحجيم وإجهاض الدور الصيني – الروسي القادم.
حقائق العراق
أولا – يقع العراق في قلب الصراع الاقليمي – الدولي الراهن ، كخط فاصل بين محورين أو بمثابة ” أرض حرام ” بين خطي تماس ، المحور الصيني – الروسي وحافته المتقدمة إيران من جهة ، وبين المحور الأمريكي – الغربي وحافته المتقدمة إسرائيل
ثانيا – بقاء الوضع في العراق ، دولة هشة ضعيفة غير مؤثرة ، فيه مصلحة لجميع الدول المجاورة .
ثالثا – بؤر الوهن الستراتيجي :
1 – سنجار : ممر ستراتيجي دولي ، ونقطة توازن تركي – سوري – عراقي بخصوص التحكم بمستقبل الملف الكردي
2 – كركوك : صمام تفجير العراق والمنطقة ( عرقيا وقوميا )والركيزة الإقتصادية الأخيرة لإستكمال إنفصال كردستان .
3 – الأنبار : المحافظة الستراتيجية الاولى في العراق ، تحادد ست محافظات عراقية وثلاث دول خارجية ، وكما يقال إذا عطست الأنبار يصاب العراق بالزكام .
4 – بغداد : مركز القرار وصمام تفجير العراق والمنطقة ( مذهبيا وطائفيا )
مقترح الدولة العازلة
مع الوضع الداخلي الهش وحجم التحديات الخطيرة الداخلية والخارجية التي تعصف بالعراق ، داخليا من خلال نظام المحاصصة كنظام حكم ساري المفعول والذي يشكل خاصرة واهنة مولدة للأزمات ، يتم من خلاله النظر للعراق كغنائم وحصص توافقية ، وبين تحديات خارجية تتلخص في موقع العراق كخط فاصل لتصادم المحاور الاقليمية والدولية المتصارعة ، فإن خيارات العراق باتت محدودة للغاية ، فإنحيازه لمحور سيؤدي إلى إستعدائه وإستهدافه من قبل المحور الثاني ، ويمكن تلخيص نفوذ وتأثير المحاور المتصارعة على أرض العراق بالمقولة التالية ( إذا كانت الأرض تحت نفوذ وتأثير محور ، فإن السماء وعصب الإقتصاد يقع تحت سيطرة المحور الثاني ).
في نماذج مشابهة لوضع العراق طبقا لتاريخ الصراعات في العلاقات الدولية ، يمكن للعراق أن يحول عناصر ضعفه الى عوامل قوة ، وذلك من خلال لعبه دور ( الدولة العازلة أو الدولة الحاجزة BUFFER ZONE )
في الأدبيات السياسية ، الدولة العازلة ، هي تلك الدولة التي تتهيأ لها نتيجة ظروف دولية وجغرافية ، وتنشأ لها حاجة كي تؤدي وظيفة منع وتخفيف إحتمالات تأجيج الصراع فهي بمثابة منطقة وسط لتخفيف الإحتقانات والإصطدامات بسبب موقعها الجغرافي كونها تقع نتيجة ظرف دولي ، بين قوتين عظميتين أو كتلتين متصارعتين او متعاديتين .
من مواصفات مثل هذه الدولة هو أن تكون دولة ضعيفة ، أضعف من القوى المتصارعة المجاورة ، وأن تفصل بين قوتين أو قطبين أو محورين متصارعين .
طريق التنمية والعراق كدولة عازلة
من شأن الإسراع في إنجاز مشروع ( طريق التنمية ) العراق – تركيا – أوربا ، أن يعزز كأرضية تجارية – إقتصادية دولية وممر للتجارة العالمية ، دور العراق كدولة عازلة ، لا سيما في ظل (صراع الممرات ) بين الصين ومشروعها ( طريق الحرير ) الذي أعلنه الرئيس الصيني عام 2014 ، وبين المشروع الأمريكي ( الممر الإقتصادي ) الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن عام 2024 من بومباي كمشروع إجهاضي نقيض لإجهاض المشروع الصيني .
ترتكز الجدوى الإقتصادية – السياسية على الميزة الجيوبوليتيكية لموقع العراق والتي من شأنها في حال إنجازه أن تدعم إستقرار العراق محليا وإقليميا ودوليا وتعيد له بعض التأثير الدولي ولكن بطريقة ناعمة ، وذلك من خلال ما يلي :
تشغيل ما يقارب 100 ألف وظيفة من الشباب العراقيين العاطلين عن العمل
إستعادة مركزية الدولة كونه خط رابط لجميع أنحاء العراق ويعمل بنفس وظيفة نهري دجلة والفرات تاريخيا .
حرص دول العالم على إستقرار العراق للحفاظ على أمن عصب التجارة العالمي الذي سيمثله المشروع بين الشرق والغرب .
تقليل الضغط التركي على العراق وفق قاعدة الإعتمادية بخصوص ملف المياه .
يشكل تأخير إنجاز هذا المشروع الحيوي أو التلكؤ به فشلا ستراتيجيا للعراق حيث يفقد العراق مع إستمرار هذا التاخير ميزة المشروع التنافسية في ظل تقدم مشاريع أخرى تسعى من خلاله الدول المتضررة منه إلى حرمان العراق من هذه الفرصة الستراتيجية للنهوض من جديد .
العراق وإحتمالات الحرب بالنيابة مجددا
بعد متغيرات موازين القوة في المعادلة الاقليمية لصالح ( الولايات المتحدة – إسرائيل ) وتكريسا لهذه المتغيرات أو كما يطلق عليه في القاموس العسكري ( إستثمار الفوز ) لتحجيم دور الصين مبكرا وإجهاض تطلعاتها المستقبلية لمنافسة ألقطب الأميركي المهيمن على قمة الهرم الدولي ، فقد بات واضحا هناك معادلات جديدة قيد التبلور لإعداد مسرح العمليات لجولة جديدة من التغييرات على منضدة الرمل وذلك من خلال ملامح لا تزال قيد التبلور لتشكيل تحالف ( هلال إقليمي ) جديد غرب العراق، يمتد من تركيا إلى تخوم الخليج العربي ، مدعوم أمريكيا – إسرائيليا ، قد تشكل سوريا رأس الرمح فيه في المدى القريب والمتوسط بعد ترتيب أوضاعها الداخلية ، إستعدادا للعب نفس دور العراق عام 1979 مع إختلاف الأهداف ، ففي الحرب العراقية – الايرانية الطاحنة ( 1980 – 1988 ) كان الهدف إضعاف وإنهاك الدولتين ومنع مشروع تصدير الثورة ، حاليا سيكون الهدف الإجهاز والتمهيد لتغيير النظام في إيران كونها حافة متقدمة للمحور الصيني – الروسي.
الهلال الداخلي والضد النوعي
إن خطورة مثل هذه المعادلة الجديدة والتي هي قيد التبلور ولم تتضح بعد معالمها ، تكمن في حال تقاربت أو إنسجمت رؤاها وأهدافها مع تشكل ( هلال داخلي ) يمتد من أقصى شمال شرق كردستان إلى جنوب غرب العراق ( كردستان – نينوى – كركوك – صلاح الدين – الأنبار ) مثل هذا الهلال قد يتشكل تحت ضغط إستمرار الفشل الحكومي وتراكمات نظام المحاصصة وإستمرار سياسة التهميش والإقصاء وإستخدام القوى الصلبة في محاولة إخضاع هذه المناطق .
من المتوقع عند تطابق الهلالين الإقليمي والمحلي وسيكون دعاته وأبطاله نفس راكبي أمواج دعاة حقوق المكونات ودعاة الأقاليم شركاء العملية السياسية بعد تغيير جلودهم ، بمجرد تطابق هذين الهلالين سيتم تفعيل آلية تفجير صراعات الضد النوعي في مناطق الوسط والجنوب .
حيث إن تزايد الفجوة وإتساع الفارق الهائل في توزيع الثروات ، بين واقع الناس صحيا وخدميا وتعليميا ومعاشيا ، وبين الثراء الفاحش لقلة متحكمة متخادمة ، قد يؤدي الى إنفراط عقد الإصطفاف الشعبي السائد وتفعيل آلية الضد النوعي لا سيما مع وجود إنشقاقات وإحتقانات عمودية من نفس نسيج القوى، قد يتم تفجيرها عن بعد من خلال قدحة زناد أو متغير ما مفاجيء.
من المشاهد المحتملة لتحفيز تشكل هذا الهلال وإنضاجه أن يتم إستبدال شعارات الحرب العراقية – الايرانية والتي كانت تحت غطاء حرب القادسية الثانية بين ( العرب والفرس ) وإستبدالها بشعارات الحرب بين ( معاوية في الشام وعلي في العراق ) لتفجير حرب جديدة بالنيابة لا رابح بها سوى أميركا وإسرائيل وبعض الدول التي دفعت العراقيين للقتال وفق قاعدة ( منا المال ومنكم الرجال )
العقد السياسي الجديد
عقد لا يتعارض مع الدستور ويعمل تحت سقفه وظيفته إمتصاص الإحتقانات المتراكمة وإعادة اللحمة العراقية من جديد من خلال إيقاف دوامة الهروب للأمام وإعطاء فرصة لمراجعة موضوعية لكافة إرهاصات ما بعد 2003 وتصحيح المسارات الخاطئة .
( فالشعوب التي لا تعرف كيف تخطط لمستقبلها ، عليها أن لا تغضب ولا تتضايق حينما يخطط الآخرون لها مستقبلها)
رئيس مركز دجلة للدراسات والتخطيط الاستراتيجي




